به. [1]
وتردّد أبو زيد في مفاوز العرب وحلّ بحللهم واختلط بجملتهم في باديتهم، متصرّفا أحينا في مهمات السلطان وآونة في الإقامة مع أهله وولده إلى أوّل سنة أربع وسبعين. فاستدعاه السلطان عبد العزيز صاحب
(1) تبدو هذه المعطيات متناقضة مع ما ورد لدى يحيى ابن خلدون في كتابه بغية الروّاد، لأن الدراسة التي قدّمها الدكتور عبد الحميد حاجيّات أفادتنا بأن هنالك تضاربا بين أقوال عبد الرحمان ابن خلدون وأقوال أخيه يحيى في كتابه بغية الروّاد. فكلاهما ذكر أن السلطان أبا حمّو الزيّاني قد استدعاه للقيام بمنصب الحجابة والعلامة واستلطاف قبائل الدواودة. ويقول عبد الرحمان ابن خلدون في هذا الصدد: « ... وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خبر خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أهلي ومخلفي، فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة ... وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم، وملك زمامهم، ورأى أن يعول عليّ في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها: ... بتاريخ السابع عشر من شهر رجب الفرد الذي من عام تسع وستين وسبعمائة (17 رجب 769 / فيفري 1368) ... وتأدّت إليّ هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه ... وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله، [من اعتقال أبي العبّاس الحفصي الذي استولى على بجاية] وقدم عليّ ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمّو كالنائب عني في الوظيفة، متفاديا تجشّم أهوالها بما كنت نزعت عن غواية الرتب. وطال عليّ إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمّة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ فاستكفي به في ذلك، ودفعه إليه.» (7/ 563) أما الرواية التي مكّننا منها يحيى بن خلدون فهي مناقضة لما تقدّم به شقيقه عبد الرحمان، ويقول في هذا الصدد: «كنت في هذا التاريخ [ربيع 1 سنة 769 / نوفمبر 1367] ببلد بسكرة من زاب إفريقيّة مفلتا من سجن أبي العبّاس الموحّد قاتل مخدومي ابن عمه الأمير أبي عبد الله رحمه الله، فقدم بها عليّ عمر بن محمد المذكور [عمر بن محمد بن مجن: رسول أبي حمّو إلى قبائل رياح] ودفع لي من قبل الخليفة أيّده الله كتابا فأمرني فيه بإعانته على غرضه من رياح لملابستي بالقوم ... ثم القدوم معه بهم على بابه الكريم فبادرت ممتثلا ... فجئت بهم ... في نحو أربعمائة فارس من أعيان القبيل، وكان قدومنا على الباب العليّ غرّة رجب السنة (769) » ويواصل يحيى ابن خلدون وصف استقبال أبي حمّو لمناصريه الجدد الذين نجح المؤلف في إقناعهم واستقدامهم لتلمسان، فتمّ تعيينه كاتبا للسلطان، وعندما طاب له المقام، استدعى أسرته من بسكرة. ونظرا للتناقض الواضح في تواريخ وصول الدعوة من أبي حمّو لكلّ منهما (أوّل رجب بالنسبة ليحيى و 17 رجب بالنسبة لعبد الرحمان) يصبح السؤال منطقيّا: كيف يمكن لعبد الرحمان أن يرسل أخاه يحيى كنائب عنه في الوظيفة بعد تاريخ 17 رجب، في حين أن يحيى يقول بأنه وصل إلى تلمسان بعد أداء المهمة يوم غرّة رجب؟ من منهما أولى بالوظيفة ولمن وُجِّهت الدعوة فعليّا؟ هل كان أبو حمّو طامعا في أن ينظمّ عبد الرحمان إلى بلاطه؟ عند مقارنة الروايتين، نميل إلى تصديق يحيى لأنه ذكر اسم الرسول الذي بعثه أبو حمّو، وأسهب في تفاصيل الحادثة ولم يشر إلى شقيقه عبد الرحمان لأن الأمر ببساطة لا يهمّه. كيف نفسّر موقف عبد الرحمان بن خلدون هذا، عندما يتبنّى المهمة لنفسه ويقول بأنه أرسل أخاه عوضا عنه؟ يمكن أن نفسّر ذلك بافتراض أن ابن خلدون أراد إيصال معلومة إلى القارئ تبرز أهميته لدى الأمراء والسلاطين، وإنه كان دائما في موقف المبادر بالقبول أو بالرفض. [أنظر: ابن خلدون أبو زكرياء يحيى، كتاب بغية الروّاد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، الجزائر، مطبعة بيار فونطانا الشرفيّة، 1903، 2/ 200 - 201. وأنظر كذلك: عبد الحميد حاجيّات، عبد الرحمان ابن خلدون وترجمته الشخصيّة، مجلة الثقافة، الجزائر، ع 77، السنة 13، (سبتمبر-أكتوبر 1983) ، ص 42 - 43.