فعامله من الإكرام بما لا مزيد فوقه، وأظهر الاغتباط بمكانه، وعلم بأولية سلفنه بإشبيلية ونباهة قدرهم، ورأى قرطبة ثم انصرف، وقد زوّده الطاغية وحمّله، واختصه ببغلة فارهة بمركب ولجام ذهبيين، ووصل إلى السلطان ابن الأحمر بالجواب وأقام عنده على حال العزازة والكرامة والاختصاص، فلم تلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيّلوا للوزير ابن الخطيب من ملابسة أبي زيد السلطان واشتماله عليه وحرّكوا له حوار الغيرة، فتنكّر، واشتمّ منه أبو زيد رائحة الانقباض فبادر إلى الارتحال عن الأندلس. وفي أثناء ذلك وردت عليه كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية، بأنه قد استولى ويستدعيه لحضرته، فاستأذن ابن الأحمر في الرحلة، وعمّى عليه عليه شأن ابن الخطيب ابقاء لمودّته، فارتمض لذلك ولم يسعه إلا الإسعاف، فودّع وزوّد وكتب مرسوما بالتشييع، فركب البحر للنصف من سنة ست وستّين ونزل بجاية، خامس الإقلاع، فاحتفل سلطان بجاية لقدومه، وأركب أهل دولته للقائه، وتهافت أهل البلد عليه من كل أوب، يمسحون أعطافه، ويقبّلون يده، وكان يوما مشهودا. ولمّا وصل إلى حضرة السلطان حيّاه وخلع عيه وحمله، وأمر من الغد أهل الدولة بمباكرة باب دار أبي زيد، فاستقلّ بحمل المُلْك، واستفرغ جهده في سياسة الأمور وتدبير الأحوال، وقُدِّمَ مع ذلك لخطابة الجامع، ولم يشغله هذا عن تدريس العلم بعد انصرافه من تدبير المُلك، غدوة كل يوم إلى أثناء النهار لا ينفكُّ عن ذلك.
فلمّا قُتِل السلطان أبو عبد الله، وقام بعده ابن عمّه السلطان أبو العباّس عامل أبا زيد بوافر الإحسان وعظيم الكرامة، وأجرى أحواله كلها على معهودها، [1] فكثرت السعاية عنده بأبي زيد حتى أحسّ بذلك، فطلب الإذن بالانصراف من السلطان فأذن له بعد لأي. وخرج يريد العرب، فتلقّاه كتاب السلطان أبي حمّو [2] صاحب تلمسان يستدعيه لحجابته وعلامته، وهو ببلد بسكرة، وفي طيّ الكتاب مدرجة بخط السلطان نصّها: «الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرّم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، على أنك تقصد إلى مقامنا الكريم، لما خصصناكم به من الرتبة المنيفة، والمنزلة الرفيعة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، أعلمناكم بذلك. وكتب بخط يده: عبد الله المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له.» وبقية الكتاب بخط الكاتب. فبعث أخاه يحيى كالنائب عنه متفاديا من السلطان طالبا للإعفاء، فوصل إليه واكتفى
(1) هذه المعطيات التي يوردها المقريزي هنا غير صحيحة لأننا نجد ابن خلدون يتحدّث عن احتباس شقيق ابن خلدون من قِبل الأمير أبي العبّاس الحفصي كرهينة، وهو أبو زكرياء يحيى بن خلدون (780 ھ/1378 م) الأخ الأصغر لعبد الرحمان المؤرّخ، وهو صاحب الكتاب المشهور في تاريخ بني عبد الواد أمراء تلمسان: بغية الروّاد في ذكر الملوك من بني عبد الواد. لم يستطع يحيى اللحاق بأخيه إلاّ بعد فترة، إذ يقول صاحب العبر في هذا الصدد: « ... ... وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله، [من اعتقال أبي العبّاس الحفصي الذي استولى على بجاية.] وقدم عليّ ببسكرة ... » (7/ 563) .
(2) أبو حمّو موسى الثاني بن يوسف: 760 - 791/ 1359 - 1388.