«وفي أول يوم منه (رجب 791) اُدُّعِيَ على ابن سبع شيخ العرب بزفته [1] بأشياء تنافي الشريعة، وشهدت عليه جماعة عند قاضي القضاة ابن خير المالكي، [2] فسعى له جماعة إلى أن خَلُصَ ونُقِلَ إلى الشافعية فحكم بحقن دمه، ثم سعى به إلى أن عقد له مجلس عند الناصري، [3] فقال له ابن خلدون الذي كان قاضي المالكية: يا أمير أنت صاحب الشوكة وحكمك نافذ. [4] فحكم بحقن دمه وإطلاقه فأطلق، وذلك في سادس هذا الشهر، وكان في الأيام الظاهرية قد وقع له نظير ذلك فيقال إنه برطل [5] بأربعمائة ألف درهم حتى خلص، وكان القائم في أمره كريم الدين بن مكانس وهو يومئذ متولي أمر ديوان الناصري، ومُحِبّ الدين بن الإمام وهو شاهده، وغيرهم من خاصكيته [6] فاخرجوا ابن سبع من حبس ابن خير، وكان ممن حضر المجلس المعقود له في الإسطبل الشيخ سراج الدين البلقيني والقضاة يومئذ ابن الميلق والطرابلسي وابن خير ونصر الله، فجهد بهم الناصري أن
(1) منية زفتا: «شمالي مصر على فوهة النهر الذي يؤدّي إلى دمياط ومقابلها منية غمر وزفتا بكسر الزّاي والفاء ساكنة وتاء مثنّاة من فوقها» ياقوت الحموي، معجم البلدان في معرفة المدن والقرى والخراب والعمار والسهل والوعر في كل مكان، دار الكتاب العربي، بيروت، د ت، 3/ 144.
(2) ابن خير المالكي: (ت: 791 هـ/ 1388 م) أورده عبد الرحمان بدوي باسم وليّ الدين أحمد بن عبد الرحمان بن محمد بن خير المالكي، وجعل تاريخ وفاته سنة 793، ولا يمكّننا من مصدره. أنظر صفحة 328 من"مؤلّفات ابن خلدون"في حين أن العسقلاني يشير إلى أنّه يُكنّى بـ"جمال الدين"ويورد وفاته سنة 791 ويقول في إنباء الغمر، في ترجمة «بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض بن عمر الدميري المالكي تاج الدين ... وولي تدريس الشيخونية وقضاء المالكية بعد موت ابن خير في ثاني عشرين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين أيام قيام منطاش ... » ويشير إليه في وفيات سنة 791 قائلا: « ... عبد الرحمان بن محمد بن سليمان الاسكندراني المالكي القاضي جمال الدين بن خير، عارفا بالفقه، خيّرا، وُلِّيَ الحكم فحمدت سيرته. قرأت عليه شيئا.» [إنباء الغمر بأبناء العمر، مج 1، 2/ 370 - 371.] ويؤكد العسقلاني نفس المعطى التاريخي هذا في كتابه رفع الإصر عند ترجمته للقاضي بهرام بن عبد الله. [رفع الإصر، ص 156] كما ترجم له القرافي في توشيح الديباج، ص 151 - 152. وابن القاضي في درّة الحجال، ص 331.
(3) الناصري: يلبغا، من المماليك، نائب السلطة في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون والملك الأشرف شعبان الثاني.
(4) يشير إلى هذه الحادثة أيضا المقريزي في كتابه السّلوك واعتبر موقف ابن خلدون سابقة في ميدان القضاء فيقول « ... عُقد عند الأمير الكبير مجلس بسبب ابن سبع وحضر القضاة والفقهاء وكثر الكلام إلى أن قال قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد بن خلدون للأمير الكبير: يا أمير أنت صاحب الشوكة وحُكمك ماضٍ في الأمة ومهما حكمت به نُفذ. فحكم الأمير الكبير بحقن دمه وإطلاقه، فأفرج عنه. ولم يعهد قط أن أحدًا من أمراء الترك ولا ملوكهم حكم في شيء من الأمور التي من عادة القضاة الحكم فيها، إلا أن قضية ابن سبع هذا كانت قد شَنُعت وطال أمرها وكثر التعصب فيها، فقوم يريدون قتله وقوم يريدون إطلاقه، وجبن القضاة عن إمضاء شيء من ذلك حتى عُمل ما ذكر وهى من غريب ما وقع.» [السلوك، 5/ 242.]
(5) برطل: قدّم رشوة.
(6) الخاصكيّة: الحرس السلطاني.