باعتبارها أدبا جادا، وراء نشأة الرواية، فإن الأدب المضحك والساخر كان وراء نشأة الرواية حسب ميخائيل باختين. ويذهب باختين، كذلك، إلى أن نشأة الرواية تفرعت عن أجناس أدبية ثلاثة هي: الملحمة، والخطابة، والكرنفال. ومن ثم، فهناك مجموعة من المفكرين والفلاسفة الذين كتبوا الحوار السقراطي؛ كأفلاطون، وكسينوفون، وأنتيسثينيس، وفيدون، وأقليديس، وألكسامين، وجلاوكون، وسيميوس، وكراتون، وغيرهم. ومن بين هذه الحوارات التي وصلتنا نذكر حورات أفلاطون وكسينوفون فقط، أما الحوارات الأخرى فنعرفها عن طريق الروايات والمقاطع القليلة التي بقيت منها. ومن ثم، فالحوار السقراطي"ليس صنفا بيانيا متكلفا .. إنه ينمو بالاستناد إلى أساس كرنفالي شعبي، وهو مفعم بعمق بالموقف الكرنفالي من العالم، خصوصا في مرحلة تطور السقراطية الشفاهية ..." [1]
هذا، وقد تحول الحوار السقراطي إلى صنف أدبي محدد، لكنه لم يعمر طويلا. لكن"خلال عملية انحلاله، تكونت هناك أصناف حوارية أخرى، بما في ذلك"الهجائية المنيبية". ولكن لا يجوز النظر إليها، طبعا، وكأنها ثمرة خالصة من ثمار انحلال الحوار السقراطي (كما يفعلون أحيانا) ؛ وذلك نظرا لأن جذورها تغور مباشرة في الفلكلور الكرنفالي الذي يعد تأثيره الحاسم - هنا - أرجح بكثير مِمّا نجده في الحوار السقراطي." [2]
وترجع أصول الهجائية المنيبية إلى الفيلسوف"مينيب"من غادار (Gadar) ، وهو من فلاسفة القرن الثالث قبل الميلاد، استطاع أن يعطي هذا الصنف الأدبي شكله الكلاسيكي. على أن المصطلح نفسه، الدال على صنف أدبي بعينه، كان قد أطلق لأول مرة من قبل العالم الروماني فارون، من القرن الأول قبل الميلاد، والذي سمى هجائياته (Sturae Menippeae) . وقد تطورت الهجائيات المنيبية إلى أن اقتربت جدا من
(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:158 - 159.
(2) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:163.