القيظ - أمهلنا ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا ينسلخ هذا القر .. إلى قوله رضي الله عنه فأنتم والله من السيف أفر .. والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم - معرفة والله جرت ندما.
أما خصوصية التفنن في الأسلوب فتكاد تكون هذه الخطبة من نسج الحقيقة الصرفة التي لم يمازجها أسلوب خيالي من استعارة أو فن كنائي إلا ما جاء من الاستعارة في قوله (( ألبسه الله ثوب الذل فقد جعل للذل ثوبا ليكون أشمل في عقاب الله وأخذه ) ).
ونلحظ أنماطا من المقابلات البديعةـ في قوله: سرا وإعلانا وليلا ونهارا وباطلهم وحقكم، الحر والبرد وقد حفل إطار الخطبة هنا بألوان من الألفاظ المتخيرة المنتقاة التي تلائم الجملة والتركيب وتضفي المعنى جلالة ومهابة وروعة وبخاصة أن موضوع هذه الخطبة موضوع يتحدث عن الجهاد وعن فئة تباطأت في الخروج إليه. وقد صحب قوة ألفاظ الخطبة ووضوحها وجمالها وسلاستها وبعدها عن الغرابة عمق المعنى ووضوحه وشرفه واقتضاء المقام له. والشأن في ذلك ما قاله أبو هلال العسكري (( ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف في اللفظ الشريف ومن حقهما أن تصونهما عما يدنسهما ويفسدهما ويهجنهما ) ) [1] .
وأما أسلوب الخاتمة فقد جاء ملائما لما أثير في الخطبة من معاني اللوم والتقريع والحث على الجهاد ونتائج التباطؤ في النفير وما يلزم الرعية من طاعة أولي الأمر. جاء الختام ملائما حيث انقطع صوت الغضب بجملة واحده قد لا تتجاوز خمس كلمات من قوله: (( ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) ).
ختام يحمل من أسلوب اللوم والتقريع ما يتناسب مع البناء الشعوري الذي نسجت خيوطه وأحكمت لبناته عاطفة صادقة حرى تتقطع أسفا وحزنا وغضبا على ركون هذه الفئة وإخلادها إلى الأرض عاجزة عن قتال عدوها.
ولا يعذب التكرار في كلام عذوبته في تكرار شيء من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين.
فلنعش مع نموذج من بدائع الخطب الإسلامية وحيث البيان الرائع في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطبته في حجة الوداع. تلك الخطبة الإسلامية التي لم يزل يستقي منها البلغاء والعلماء في تثبيت معانيهم اقتباسا وتضمينا.
يقول صلوات الله وسلامه عليه:
(1) الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 140.