وجد مدة صاغ منها كتابه وهي مادة بنيت على السجع، وفي ذلك ما يدل على كذب نسبتها إلى علي إذ ليس من الطبيعي أن يسجع علي في خطابته، بينما ينهى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن السجع، ويتحاشاه أبو بكر وعمر وعثمان في خطبهم رضي الله عنهم.
ومعنى هذا أنه لا يصح الاعتماد على هذا الكتاب أعني (( نهج البلاغة ) )في تصور خطابة علي رضي الله عنه، وأنه ينبغي الرجوع إلى المصادر الأولى مثل: (( البيان والتبيين ) )للجاحظ، فقد روى طرفا من خطبه وكلامه ومواعظه، وقد دفعته حروبه مع طلحة والزبير وعائشة ثم معاوية إلى أن يكثر من دعوة جنوده إلى جهاد أعدائه وحثهم على القتال في سبيل مبدئهم وفكرتهم [1] .
ونقول حول هذه القضية: إن ما ذكره شوقي ضيف نقلا عن عدد من المصادر التاريخية والعلمية بشأن نسبة كتاب (( نهج البلاغة ) )إلى الإمام علي. ومدى صحة هذه النسبة من كذبها كلام موثق لا يحتمل الشك. غير أن ما علل به من حيث إن المادة العلمية في كتاب (( نهج البلاغة ) )تعتمد على السجع، وعلي رضي الله عنه لا يسجع في خطابته لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السجع، ولتحاشي أبي بكر وعمر عثمان فن السجع في كلامهم ولهذا السبب يعد الكتاب من صنع الشريف الرضي.
إن هذا التعليل تنقصه النظرة العلمية الدقيقة فنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو نهي عن السجع المتكلف الذي يعد من قبيل سجع الكهان كما قال صلى الله عليه وسلم: (( أسجعا كسجع الكهان ) ).
فلو قال شوقي ضيف إن اعتماد المادة العلمية لكتاب (( نهج البلاغة ) )على السجع المتكلف خطابته، أنه من صنع الشريف الرضي، لأنه من الطبيعي أن عليا رضي الله عنه لا يسجع في خطاباته، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السجع المتكلف وتحاشاه أبو بكر وعمر وعثمان لو قال ذلك لكان تعليله أقرب إلى الصحة والقبول لأننا نجد في كلام كثير من الخلفاء والصحابة سجعا مقبولا غير متكلف.
أما الخصائص الفنية التي اشتمل عليها نص خطبة الإمام علي رضي الله عنه في الحث على الجهاد.
فإن أول ما يطالعنا تلك الخصوصية التي هي من شأن كل خطبة إسلامية منذ أن تعلم المسلمون طرائق التعبير على يد محمد صلى الله عليه وسلم تلك الخصوصية هي بدء هذه الخطبة بحمد الله والثناء عليه الصلاة والسلام على رسوله.
ويمكن أن نستوضح الخصائص الفنية الأخرى لهذه الخطبة من خلال السمات التالية:
(1) الفن ومذاهبه في النثر الفني د/ شوقي ضيف ص 61 وما بعدها/ ط الخامسة/ دار المعارف/ مصر.