فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 136

أما صاحبنا المغربي ابن عجيبة الذي لا تنقضي عجائبه فيقول: قال الحلاج"رضي الله عنه"

أنا أنت بلا شك فسبحانك سبحاني.

وتوحيدك توحيدي وعصيانك عصياني.

وقال أيضا:

سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب.

وبإظهار هذا وأمثاله قتل رضي الله عنه فمن لطف الله تعالى ورحمته أن ستر ذلك السر بظهور نقائضه، صونا لذلك السر أن يظهر لغير أهله. ومن أفشاه لغير أهله قتل كما فعل بالحلاج" [1] ."

ومن عجائب ابن عجيبة إلى الإمام الهمام حجة الإسلام الغزالي. والنص الذي سنورده له، مر معنا سابقا حينما تحدثنا عن وحدة الوجود، وربما لم تنتبه أخي الكريم إلى طامة ومصيبة وكارثة الطريقة التي تحدث بها حجة الإسلام على مدعي الألوهية والربوبية هؤلاء. يقول الغزالي:"العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق. ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت منهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم"أنا الحق"وقال الآخر"سبحاني ما أعظم شاني"وقال الآخر"ما في الجبة إلا الله" [2] ."

بل هناك من يعتقد أن فرعون صادق بادعائه الربوبية. وهل هناك عاقل يقول ذلك؟ أقول لك هناك من قال ذلك، لكن لا أعرف إن كان عاقلا أم مجنونا، لكنه على كل حال شيخ وعالم صوفي. ذكر القشيري في رسالته ص 5، والإمام الهمام حجة الإسلام الغزالي في إحيائه، والطوسي في لمعه ص 299، أن سهل بن عبد الله التستري قال:"وسئل عن سر النفس؟ فقال: النفس سر، ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا على فرعون؟ فقال أنا ربكم الأعلى ولها سبع حجب سماوية، وسبع حجب أرضية، فكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا، سما قلبه سماء سماء، فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصلت بالقلب إلى العرش". وأنا قبل أن أقرأ هذه القصة كنت أقول أن ادعاءهم الألوهية والربوبية يتماشى مع عقيدتهم، وأنهم لا يقصدون أنهم آلهة من دون الله، وإنما يصلون لدرجة يعتقدون معها أنهم جزء من الله، لكن أن يصل الأمر بعضهم لتبرير ادعاء فرعون، وهم يعلمون أنه قالها تجبرا واستكبارا وعلوا في الأرض، فهذا الذي يجب أن نقول فيه لله الأمر من قبل ومن بعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ليس في من يبرر

(1) - إيقاظ الهمم ص 156

(2) - مشكاة الأنوار ص 122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت