بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم فقال بعضهم:"أنا الحق"وقال الآخر:"سبحاني ما أعظم شاني"، وقال الآخر:"ما في الجبة إلا الله" [1] .
وعلى نفس نهجه، وبنفس القناعة تشبث الزنديق أحمد التجاني عندما قال:"فمنهم المتوجه إلى صورة الحضرة الإلهية، نصا جليا في طور الغير والغيرية، ومنهم المتوجه إلى الحضرة العلية من وراء ستر كثيف، وهم عبدة الأوثان ومن ضاهاهم. فإنهم في توجههم إلى عبادة الأوثان ما توجهوا لغير الحق سبحانه وتعالى، ولا عبدوا غيره" [2] .
فهل بعد هذا الشرك شرك وهل بعد هذا الكفر كفر. كل شيء إنما هو في الحقيقة إله، الشجر والحجر والحيوان؟؟؟؟.
ويقول شيخهم الأكبر ابن عربي:"فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء". ويقول:"والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو فلك" [3] .
نفي الإثنينية وبالتالي الحلول والاتحاد التي تحدثنا عنها في السطور السابقة إليك بيانها.
جاء في (أخبار الحلاج) :"... قلت له كيف الطريق إلى الله تعالى؟ قال الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد. فقلت بين؟ قال من لم يقف على إشارتنا لم ترشده عبارتنا. ثم قال:"
أأنت أم أنا هذا في إلهين حاشاك حاشاك من اثبات اثنين [4] .
ويقول ابن عجيبة المغربي - ولم أر للمغاربة صولة وجولة في ميدان من الميادين أكثر مما لهم في التصوف، حتى إنهم فاقوا صانعيه ومؤسسيه من المشارقة، والفرس، والشيعة - يقول:"فلا وجود للأشياء مع وجوده، فانتفى القول بالحلول، إذ الحلول يقتضي وجود السوى، حتى يحل فيه معنى الربوبية، والفرض أن السوى عدم محض فلا يتصور الحلول ..."
ونزهه في حكم الحلول فما له ... سوى وإلى توحيده الأمر راجع
فقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم. فانتفى القول بالاتحاد، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث، فيتحدان حتى يكونا شيئا واحدا، وهو محال، إذ هو مبني أيضا على وجود السوى، ولا سوى، وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض:
وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتحادا ولا جرم تخلله جرم" [5] ."
(1) - مشكاة الأنوار ص 122
(2) - عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية ص 151، الدكتور محمد وراضي. مطبعة بني يزناسن، الطبعة الأولى 2008.
(3) - الفصوص ص 192 و 195
(4) - أخبار الحلاج ص 57
(5) - إيقاظ الهمم ص 45 و 46. (فابن عجيبة هنا يقر أنه حتى إذا ما أطلقت كلمة اتحاد فإنها تعني الوحدة، أي وحدة الوجود، وهذه ليس عندهم معها أي مشكلة، فسبحان الذي يهدي ويضل) .