فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 136

المبحث بهذه الشهادة الطويلة العريضة الواضحة الجلية، ونطرح هنا سؤالا مؤداه ما هو هذا السر الذي يتواصون بكتمانه؟ في الحقيقية هو لم يعد سرا، فقد كشفه بعضهم وأشار له آخرون، ولمح له البعض الآخر. وأمر ذلك كله متعلق بالذكاء والجرأة، وأيضا بالظرف السياسي. وفي توزيع أدوار متقن، والآن لنجعلهم يكشفون لنا هذا السر بأنفسهم، وكما أشرنا في مقدمة الكتاب فإننا لن نتجنى على القوم ولن نحاكمهم إلا إلى أقوالهم فهذه نصوصهم تشهد عليهم، والاعتراف سيد الأدلة.

وحتى لا يضيع القارئ في متاهات نصوصهم ودهاليزهم الملتوية وأكاذيبهم المزوقة وألفاظهم المنمقة. هذه هي الفكرة التي ستدور عليها نصوصهم التالية: السر الذي يتواصون بكتمانه عمن لم يتأهل، هو وحدة الوجود، وهي عقيدة عندهم مناقضة لعقيدة الحلول والاتحاد التي تؤمن بها بعض الوثنيات والفلسفات. إن وحدة الوجود التي هي جوهر الصوفية، والتي يعبرون عنها بالتوحيد وأحيانا بالإحاطة والسريان والفناء وعدم شهود الخلق، إلى غيرها من المصطلحات، تعني لا وجود إلا الله أي أن الله هو كل هذه الموجودات، وسنرى هذا الكفر البواح في نصوصهم إما تصريحا أو تلميحا وهذه العقيدة ترفض بشدة فكرة الحلول أو الاتحاد لأن الحلول والاتحاد يكون بين اثنين خالق ومخلوق بحيث يحل الأول في الثاني أو يتحد به وهم ينفونه ويعبرون عنه بالإثنينية أو ثنائية الخلق والحق، وهي لا وجود لها عندهم، لأن الله تعالى هو الوحيد الموجود، وكل ما نراه هو أجزاء منه بأشكال مختلفة. هذا السر تتفرع عنه أسرار أخرى لا تقل خطورة حيث يعتقد بعضهم أنه أصبح هو الله، ويعتقد آخرون أنهم باستطاعتهم التحدث مع الله مباشرة، أو النظر في اللوح المحفوظ والإطلاع على الغيب، وقد تصل بهم الدرجة إلى الاعتقاد في أنفسهم أو في شيوخهم الموتى والأحياء على السواء، أنهم يسيرون الكون ويجيبون الدعاء ويصرفون البلاء ويجلبون الدواء. هذا غيض من فيض من أسرارهم التي لا تنقطع، فاربطوا أحزمة السلامة وقولوا لعقولكم مع السلامة.

نبدأ بحجتهم الغزالي في إحيائه علوم دينه:"فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله، فهو الكل على التحقيق" [1] .

ولننظر كيف يزكي أقوال الحلاج ومن سار على نهجه ممن يعتقدون أنهم الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

يقول الحجة:"بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت منهم الكثرة"

(1) - إحياء علوم الدين ص 254

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت