فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 136

يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي يرونه أقبح ما يأتونه حسنا.

ويعلق الغزالي على هذه الأبيات بقوله:"والمراد بهذا العلم الذي يستحلون به دمه: هو العلم اللدني الذي هو علم الأسرار".

وهذا نص طويل لأحد شيوخ المتصوفة المغاربة لم أجد ما أختصر منه أو ما أقتطف منه فكل كلمة فيه سر، يقول محمد العربي السائح التجاني وهو أحد خلفاء أحمد التجاني: قال الشيخ علي الروذباري:"علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي، ومن هنا احتاج أهل الله تعالى إلى وضع الإشارات المصطلح عليها فيما بينهم. فيتكلمون بها عند حضور الغير وفي تآليفهم ومصنفاتهم لا غير، ولم يضعوها لأنفسهم لأنهم يعرفون الحق الصريح في ذلك، والحامل لهم على وضعها الشفقة على الدخيل بينهم، خشية أن يسمع منهم أو يرى في تأليفهم شيئا لا يصل إليه فهمه، فينكره فيعاقب بحرمان علمه فلا يعلمه بعد والعياذ بالله تعالى. وكان بعض العارفين يقول: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوز أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله لمن لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه إلى جهنم وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رؤوس الأشهاد وقالوا"من باح بالسر استحق القتل"فإن قيل: هلا طوى العلماء من أهل الطريق بساط التأليف والتصنيف في مثل هذه العلوم وأمسكوا عن الخوض في رقائق الإشارات ودقائق السر المكتوم؟ لأن الكلام في ذلك ربما ضر بالقاصرين من الفقهاء، فضلا عمن سواهم. أما كان عندهم من الحكمة والنظر للخلق بعين الشفقة والرحمة ما يمنعهم من الخوض في ذلك والتقحم لمضايق هاتيك المسالك، قلنا قد ذكر في"اليواقيت والجواهر"عن العارف بالله تعالى سيدي على بن وفا رضي الله عنه أنه قيل له مثل هذا فأجاب بقوله رضي الله عنه: يقال لهذا القائل. أليس الذي أطلع شمس الظهيرة ونشر ناصع شعاعها مع إضراره بأبصار الخفافيش ونحوها من أصحاب الأمزجة الضعيفة عليما حكيما! فإن قال صحيح ذلك، ولكن عارض ذلك مصالح تربو على المفاسد. قلنا له. وكذلك الجواب عن مسألتك. فكما أن الحق سبحانه وتعالى لم يترك إظهار أنوار شمس الظهر مراعاة لأبصار من ضعف بصره. فكذلك العارفون لا ينبغي لهم أن يراعوا أفهام هؤلاء المحجوبين، بل الزاهدين فيها، بل المنكرين عليها. وكان تدوين معارفهم وأسرارهم من أحق الحقوق عليهم لكون غيرهم لا يقوم مقامهم في تدوين أدوية أمراض القلوب وآداب حضرة الحق تعالى في جميع الأمور المشروعة فإن لكل مقام حضورا وآدابا تخصه" [1] .

لا شك أنك أخي القارئ أصبت بالدوار أثناء قراءتك لهذه النص؟، ولا زال لدينا المزيد وبجرعات زائدة، قد لا تفهم شيئا لأنك لست من أهل الطريقة، لكن تسلح بالصبر. ونكتفي في هذا

(1) - بغية المستفيد ص 18 و 19 و 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت