والإمبراطوريات والشعوب والمماليك وحدها، ولكنه حرك معها ملايين الناس ممن كانوا يسكنون أكثر من ثلث العالم المأهول في ذلك الوقت، بل وأكثر من ذلك حرك الأرباب والمقدسات والأديان والأفكار والمعتقدات والأرواح، على هدي الكتاب الذي تصبح كل آية من آياته قانونًا ينظم، خلق أمة روحانية امتزجت فيها شعوب بأكملها من كل عرق ولون ولغة، ترك فينا الخاصية التي لا تمحى للأمة الإسلامية ألا وهي كراهية الشرك بالله، وعبادة الإله الواحد الأحد الذي لا تدركه الأبصار، هكذا تميز المؤمنون بمحمد بالالتزام الشديد بالوقوف ضد الآلهة المزيفة والشرك الذي يدنس السماء، كان دخول ثلث سكان الأرض في دينه هو معجزته أو على الأصح لا نقول بأنها كانت معجزة الرجل وإنما معجزة العقل؛ فقد كانت فكرة الإله الواحد [2] التي دعا إليها وسط أساطير وخرافات رسختها ممارسات الكهان وخدام الأوثان معجزة في حد ذاتها، استطاعت فور أن نطق بها أن تدمر كل معابد الوثنية وأن تضرم النار في ثلث العالم.
إن حياته وتأملاته في الكون، وثورته البطولة ضد الخرافات والضلالات في بلده، وجراءته على تحدي سخط الوثنيين، وقوة تحمله للأذى طوال ثلاثة عشر عامًا في مكة [3] ، وصبره على تعسف القوم وازدرائهم حتى كاد أن يصبح ضحيتهم كل هذا مع استمراره في نشر دعوته، وحربه ضد فساد الأخلاق وعادات الجاهلية، وإيمانه العميق بالنجاح، وسكينته عند الشدائد، وتواضعه عند النصر، وطموحه الذي كان مُكرَسًا لفكرة واحدة لا سعيًا وراء الجاه والسلطان، وصلواته التي كانت لا تنقطع، ومناجاته لله، وموته وانتصاره الساحق بعد الموت، تشهد جميعها بأننا لسنا أمام أفاكٍ مدّع، وإنما نحن أمام إيمان راسخ واقتناع لا يتزعزع، فقد أعطاه اعتناقه القوة ليقيم الدين، فبنى عقيدته على مبدأين أساسيين هما أن الله واحد، وأنه غير محسوس ماديًا، بالمبدأ الأول نعرف من هو الله، والثاني ترتبط المعرفة بالغيب، إنه فيلسوف، خطيب، مشرع، محارب، فاتح، مفكر، رسول، مؤسس دين عقلاني وعبادة بلا تماثيل أو أوثان، وزعيم عشرين إمبراطورية أرضية، بالإضافة إلى الإمبراطورية الروحية التي لا تحدها حدود، هذا هو محمد، فإذا نظرنا في كل المعايير التي نقيس بها عظمة الإنسان، فلنسأل أنفسنا هل يوجد أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم؟) [4] .
أما المرأة فلها مع شخصه صلى الله عليه وسلم رؤية أسرية باعتباره زوجًا وليس كأي زوج بل الزوج العادل المنصف المتسامح الذي لم يسمح لشواغل رسالته وعظائم الأمور حوله أن تتجاذبه فتسرقه من أزواجه أو يسلبهن حقوقهن فلم يرهبهن بكونه رسول وهن أمهات المؤمنين أن يتغاضين عن حقوقهن أبدًا .. فهذا خلقٌ يليق بصغَار الرجال الهُمل النكرات وليس بخلقه الكريم صلى الله عليه وسلم وما كانت لترصد تلك المعجزة إلا امرأة، فتقول الدكتورة ليلى أحمد الأحدب [5] : (أى رجل يكون له تسعة نسوة ثم يستطيع أن يصوغ حياته وحياة