وعلمائه ومشاهيره، وتقاليده وماضيه، ومجده وتاريخه .. هذه المبارزة الهائلة العجيبة، من يستطيع أن يقدم عليها غير نبي؟! ..
على أن المعجزة بعد ذلك ليست في مجرد التحدي، ورمي القفاز، وارتفاع ذلك الصوت الضعيف على شاطيء ذلك البحرالطامي العجاج: [أن اترك أيها العالم دينك القديم واتبعنى!] ذلك الصوت الذي لا جواب عليه إلا سخرية طويلة وقهقهة عريضة، وليست المعجزة كذلك في مجرد شفاء الأصم وابراء الأعمى، وإنما المعجزة حقيقةً أن يخرج مثل هذا الرجل الوحيد الأعزل من هذه المعركة المخيفة ظافرًا منتصرًا، فإذا هذا العالم العتيد كله يجثو عند قدميه منكس الأسلحة، وقد انقلبت سخريته خشوعًا طويلًا، وقهقته صلاة عميقة!).
وفي نصٍ طويل يسهب شاعر فرنسا"لامرتين"في استقصاء مواطن العظمة ومكامن المعجزة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعرضًا المراحل التاريخية لمسيرة تبليغ الرسالة الخاتمة، ووضع المقارنات لاستخلاص النتائج التي تأتي في جانب منها متفقة مع ما ذهب إليه الحكيم في مقولته، فيقول: (لم يحدث من قبل أن عهد لإنسان، طوعًا أو كرهًا بمثل هذه المهمة السامية، فقد كانت المهمة فوق طاقة البشر، بها يقضي على الضلالات التي وقفت حائلًا بين الإنسان والخالق، وبها يصل الله بالإنسان ويصل الإنسان بالله، وبه يعيد لفكرة الألوهية رشادها وقدسيتها وسط فوضى آلهة الأوثان الشوهاء التي كان القوم يعبدونها وقتئذ، لم يحدث من قبل أن قام إنسان بعمل يتعدى مقدور البشر بمثل هذه الوسائل الهزيلة، ذلك لأنه اعتمد على نفسه كلية في تصور وتنفيذ مهمته العظيمة، ولم يكن يساعده سوى حفنة من الرجال المؤمنين به في هذا الركن المجهول من الصحراء الشاسعة. وأخيرًا، فلم يحدث أن استطاع إنسان من قبل أن يحقق مثل هذه الثورة الهائلة والدائمة في العالم بأسره، لأنه بعد أقل من قرنين على ظهور الإسلام، كان بالإيمان والسلاح يسيطر على كل جزيرة العرب، ثم يغزو باسم الله بلاد فارس وخراسان وما بين النهرين والهند الغربية وسوريا والحبشة، وكل شمال أفريقيا وعددًا من جزر البحر المتوسط، وأسبانيا وجزء من بلاد الغال"فرنسا".
فإذا اعتبرنا عظمة الهدف وضآلة الوسائل والإنجاز المذهل معايير ثلاثة للعبقرية الإنسانية، فمن ذا الذي يجرؤ على مقارنة أي من عظماء الرجال في التاريخ الحديث مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ ...
هؤلاء العظماء خلقوا السلاح أو القوانين الوضعية أو الإمبراطوريات فقط، لم يقيموا سوى هياكل مادية رأوها في معظم الأحيان تتهاوى أمام أنظارهم. لكن هذا الرجل لم يحرك الجيوش والقوانين والتشريعات