قلت: يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبدالهادي وغيره لابن تيمية، وهي مشهورة في بلادنا، والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، ومن جملة ما استدل به على دفْع ما ادَّعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نقل عن مالك أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدبًا، لا أصل الزيارة؛ فإنها من أفضل الأعمال، وأجل القُرُبات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع، والله الهادي إلى الصواب [1] .
(1) قال العلامة عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في التعليق على هذا الموضع من"فتح الباري":"هذا اللازم لا بأس به، وقد التزمه الشيخ، وليس في ذلك بشاعة - بحمد الله - عند من عرف السنة ومواردها ومصادرها، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها ضعيفة؛ بل موضوعة! كما حقَّق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره - عليه الصلاة والسلام - من دون قصد المسجد؛ بل تكون عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة تخصها وتقيدها، والشيخ لم ينكر زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من دون شد الرحال؛ وإنما أنكر شد الرحل من أجلها مجردًا عن قصد المسجد، فتنبَّه وافهم! والله أعلم"اهـ.
وقال العلامة الألباني - رحمه الله - في"أحكام الجنائز"ص 230:
"قال في"فتح العلام"1/ 310:"والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها، ليس فيها الأمر بشد الرحل إليها، مع أنها كلها ضعافٌ أو موضوعات، لا يصلح شيء منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليها، فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدْعو إليه"اهـ."
قلت: وللغفلة المشار إليها اتَّهم الشيخ السبكي - عفا الله عنا وعنه - شيخَ الإسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل، مع أنه كان من القائلين بها، والذاكرين لفضلها وآدابها، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة، وقد تولى بيانَ هذه الحقيقة، ورد تهمة السبكيِّ العلامةُ الحافظ محمد بن عبدالهادي في مؤلف كبير أسماه:"الصارم المنكي في الرد على السبكي"، نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها.
وأورد فيه الأحاديث الواردة في فضلها، وتكلم عليها مفصلًا، وبيَّن ما فيها من ضعف ووضع، وفيه فوائد أخرى كثيرة، فقهية وحديثية وتاريخية، حريٌّ بكل طالب علم أن يسعى إلى الاطلاع عليها.
ثم إن النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه؛ لأنه إذا كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، مع العلم بأن العبادة في أي مسجد أفضل منها في غير المسجد، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( أحب البقاع إلى الله المساجد ) )، حتى ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسِّس على التقوى، ألا وهو مسجد قباء، الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( صلاة في مسجد قباء كعمرة ) )، إذا كان الأمر كذلك فلأن يمنع الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى، لا سيما إذا كان المقصود إنما هو مسجد بُني على قبر نبيٍّ أو صالح، من أجل الصلاة فيه، والتعبُّد عنده.
وقد علمت لعن من فعل ذلك، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك، ويمنع من السفر إلى مسجد قباء؟!
والخلاصة: أن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله؛ أمثال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله تعالى - فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الأفاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في"الحجة البالغة"1/ 192:"كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظَّمة بزعمهم يزورونها ويتبرَّكون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسدَّ - صلى الله عليه وسلم - الفساد؛ لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء، والطور، كلُّ ذلك سواء في النهي".
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفرُ للتجارة وطلب العلم؛ فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله، فإنه هو المقصود كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (الفتاوى) 2/ 186"اهـ."