الأنبياء، ولأن الأول: قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني: كان قبلة الأمم السالفة، والثالث: أسِّس على التقوى، واختُلف في شدِّ الرحال إلى غيرها؛ كالذَّهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها، والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: يَحرُم شد الرحال إلى غيرها؛ عملًا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال له:"لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت"، واستدل بهذا الحديث، فدلَّ على أنه يرى حمْل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة، والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يَحرُم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة، منها: أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شدِّ الرحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز، وقد وقع في رواية لأحمد - سيأتي ذكرها - بلفظ: (( لا ينبغي للمطي أن تعمل ) ) [1] ، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم [2] .
(1) أخرجه أحمد في المسند 3/ 64، 93، من حديث أبي سعيد الخدري.
قال العلامة الألباني - رحمه الله - في"أحكام الجنائز"ص 229:
"هذا الجواب ساقط من وجهين:"
الأول: أن اللفظ الذي احتجوا به (( لا ينبغي ) )غير ثابت في الحديث؛ لأنه تفرد به شهر، وهو ضعيف كما سبق بيانه.
الثاني: هبْ أنه لفظ ثابت، فلا نسلم أنه ظاهر في غير التحريم، بل العكس هو الصواب، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، اجتزئ ببعضها:
أ- قوله - تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [سورة الفرقان:18] .
ب- قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلا ربُّ النار ) )؛ رواه أبو داود (2675) من حديث ابن مسعود، والدارمي (2/ 222) من حديث أبي هريرة.
جـ- (( لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا ) )؛ رواه مسلم.
د- (( إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ) )؛ رواه مسلم.
هـ- (( لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى ) )؛ رواه البخاري.
الثالث: هبْ أنه ظاهر في غير التحريم، فهو يدل على الكراهة، وهم لا يقولون بها، ففي"شرح مسلم"للنووي:"الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره".
فالحديث حجة عليهم على كل حال"؛ اهـ."
(2) قال العلامة عبدالعزيز بن باز - رحمه الله:"هذا فيه نظر، والصواب أنه للتحريم كما هو الأصل في نهيه - صلى الله عليه وسلم"اهـ.
وأجيب عن هذا بأن لفظ الحديث إنما يفيد النفي لا النهي.
قال العلامة الألباني:"وهي وإن كانت بلفظ النفي: (( لا تشد ) )، فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله - تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] ، وهو كما قال الطيبي:"هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختصت به"اهـ."
وتعقبه العلامة الألباني - رحمه الله - في"أحكام الجنائز"ص 226، فقال:
"ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي: رواية لمسلم في الحديث الثاني: (( لا تشدوا ) )"اهـ.