وبعد ذلك لا يعلم قدر هذه المولود إلا من خلقها، فربما يدفنها أبوها وهى على قيد الحياة تبعًا لعادتهم المشئومة (وأد البنات) أي دفنهن في الرمال وهن أحياء.
وأيًا ما يكون السبب في هذه الفعلة الإجراميّة الشنيعة فليس لها مؤيدٌ من تدبير العقول أبدًا، فلعل العربي الجاهلي يضن بابنته على المهانة المتوقعة من نشوب حربٍ بين القبائل فتصبح هذه الفتاة قيد الأسر لقبيلةٍ أخرى أو أنه يخشى الفضيحة والعار منها بعد أن تشب عن طوق الشباب.
وعمومًا .. فليس هناك مجال لقبول عذرٍ أو بيان أمرٍ.
وكانت للعرب قبل الإسلام أيضًا عادات ذميمة وطرائقُ مرذولة في معاملة النساء فإذا كان عند الرجل فتاة يتيمة يحل له زواجها فغالبًا كان لا يمهرها بل يسطو عليها بلا مقابل بطريقة إلقاء الثوب الشائعة عند القوم في سالف الأيام. قال ابن عباس [كان الرجل في الجاهلية عنده اليتيمة فيلقى عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإذا كانت جميلةً وهويها (أعجبته) تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمةً منعها الرجالَ أبدًا حتى تموت فإذا ماتت ورثها] [1] .
ومن إهانات المرأة في العصر الجاهلي بأرض العرب أن الرجال كانوا يعضلون النساء، والعضل هو الضرر والعنت والإرهاق في العشرة ومضاجرة المرأة حتى تطلب الطلاق وتتنازل عن صداقها وتفدى نفسها من هذا الزوج الذي يعضلها.
ومن الصور الشائعة في هذا الشأن ما كان مشتهرًا عن أهل تهامة فقد كان الرجل يتزوج المرأة ثم يتبين كل منهما بعد الزواج عدم الوفاق والتآلف بينهما فيتفارقان على شرط أنه لا تتزوج المرأة رجلًا آخر إلا بإذن الأول فيكتب ذلك عليها ويشهد فإذا جاء الخاطب فإن أعطته وأرضته (أى أعطت مالًا لزوجها الأول) أذن لها وإلا عضلها يعنى قهرها ومنعها من الزواج.
ومن صور المهانة للمرأة قبل الإسلام عند العرب ما كان مشهودًا عند أهل يثرب وأهل اليمن أنها كانت تُورَثُ مثل المتاع فيرثها رجل أو اثنان على حسب الحال، فإن شاء واحدٌ منهم تزوجها وإن اتفقوا جميعًا على رجلٍ من غيرهم زوجوها، وإن شاؤا لم يزوجوها
(1) -الإمام ابن كثير/ تفسير القرآن العظيم جـ 1 صـ 853 دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - بدون.