قُيُود
وقد وضع الإسلام قيودًا على التعدد مانعةً من الإضرار بالزوجة الأولى، وحتى يفهم المغرضون أن سبب التشريع لم يكن إشباع الشهوة والتمادي فيها على حساب الحقوق المادية والمعنوية التي كفلها الإسلام للزوجات:
أولًا: العدل بين الزوجات
هذا أساسٌ هامٌّ لمن ألجأته ظروفه أن يتزوج على امرأته الأولى بأن يكون عادلًا بين زوجتيه أو أزواجه في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من مسكنٍ وكسوةٍ وطيب معشرٍ، فإن ظن الإنسان أنه لا يقدر على ذلك فالاكتفاء بواحدةٍ هو خير المقاصد قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [1] .
والعدل هنا بمعناه الظاهري بالمساواة في الإنفاق والمعاملة، ومن مخالفة طبائع الأشياء أن يطلب من الرجل العدل في إحساسه ومشاعره فإن ذلك غير مستطاعٍ، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُسوي بين نسائه في كل شيء لكن قلبه كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها وكان يقول: {اللهم هذا قسمي فيما أملك فاغفر لي فيما لا أملك} [2] .
وقد وجه البعض مقصود الآية الكريمة إلى غير منحاها في قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [3] وقالوا بأن التعدد غير مشروعٍ لأن الله تعالى جعل العدل شرطًا فيه وتحقيق العدل غير مستطاعٍ واشترط كذلك عند الخوف بعدم العدل الاكتفاء بواحدة، وهذا تغييرٌ للأحكام وفهمٌ مبتورٌ لها فما كان الله عز وجل ليبيح التعدد في آيةٍ ويحرمه في أخرى.
والعدل المنشود ليس هو العدل المثالي المتوهم في العقول، والقرآن الكريم يرسم صورةً لمجتمعً مُكَوَّنٍ من البشر وليس من الملائكة، ولهذا أنبأَ الله تعالى عن العدل الممكن بالنسبة للبشر وحدوده: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} فإذا مال الرجل {كُلَّ الْمَيْلِ} إلى زوجةٍ وجفا أخرى فإنه غير عادلٍ بينهما، أما إذا مال بعض الميل فإن ذلك أمرٌ مغفورٌ بإذن الله لأن
(1) - سورة النساء (3) .
(2) - أبو داود الترمذي وابن ماجه والنسائي.
(3) - سورة النساء (139) .