ومئات الألوف من العلماء والمربين ينتشرون في العالم، ينسجون العقول والضمائر بمبادئ الإسلام ... وكلهم يتكلمون لغة إسلامية واحد نابعة من كتاب الله وسنة رسوله (القولية والفعلية) .
وحلقات القضاة التي في المساجد أو خارجها تحكم حركة الحياة وتعطي كل ذي حق حقه وتؤصل التعاون، وتمتع الصراع، وتقف- في سبيل تحقيق الغاية- حتى في وجه الحكام!!
ومحتسبون ودعاة هنا وهناك ورسميون وغير رسميين، يلبسون أثواب المحتسبين وشاراتهم، أو أثواب التجار والحرفيين والزراع .. وكلهم يتعامل مع الإسلام وكأنه المسؤول عنه، وعن تحقيقه في حياة المسلمين، ونشره بين غير المسلمين.
وبهؤلاء وأولئك، وغير هؤلاء و أولئك، تمور الحياة، وتتفاعل عناصر الحضارة، ويظهر العلماء والحكماء، والرياضيون، والفلكيون، والفقهاء، والأطباء وغيرهم ...
موسوعات ضخمة لم تتوفر لأية أمة، تسمى بكتب التراجم والطبقات والأنساب؛ تضم بعض ما وصل إلينا عن أولئك العلماء الأعلام والدعاة إلى الإسلام.
إن هؤلاء هم أبرز صناع الحضارة، بل إن هؤلاء هم الذين حموا ثغور الحضارة الإسلامية، وتحملوا الثمن الباهظ الذي دفعته الحضارة الإسلامية من جراء الانحراف الذي وقع فيه بعض الحكام.
كان هؤلاء العلماء والصناع والدعاة يتفاعلون في مستواهم -صابرين محتسبين- وكان الآخرون يمضون في طريقهم ...
وكان بين المستويين خطوط تفاعل، وخطوط تصادم، ومناطق حياد!!
ففي العهود يدرك فيها جهاز الحكم والدولة أهمية الاحتكام للإسلام، وقيمة ثقافة الإسلام وحضارته؛ كانت الحضارة تتوهج متفاعلة أشد ما يكون التوهج، وكانت الأمواج الحضارية تصفو وتهدأ، وتنطلق إلى غايتها مترجمة قوة الإسلام وأصالته.
وحين يجنح الحكام إلى الانحراف والظلم والاستبداد؛ كان الصدام يقع، في دائرة النفوس والضمائر في أكثر الأحايين، وفي دائرة السلاح في أقل الأحايين ... لكن التيار كان يمضي ملتزما بالعقل، واعيًا بالمأزق، معتصمًا بمواقعه، مؤثرًا الفعل الحضاري على الصدام السياسي ...
وثمة مناطق حياد كانت تمضي، وهي الأكثر والأغلب، لا تكاد تقترب من تأثير الحكام إلا في بعض المعابر القليلة ... فقد كان القضاة والدعاة والزهاد المفكرون والمخترعون يبتعدون -قدر الاستطاعة- عن مناطق الصدام، وكان الحكام- في بعض الأحايين - هم الذين يحتاجون إليهم، ويسعون إلى أن يقترب هؤلاء منهم، ويجرون عليهم النفقات، ويجزلون لهم الأعطيات!!
كانت هناك بالتالي أمة إسلامية ... وكانت هناك مؤسسة حاكمة اسمها الدولة ... أو بتعبير آخر كانت هناك (أمة دعوة) تعي رسالتها ودورها الحضاري، وتصوغ حياتها -في هدوء- وفق شريعة الإسلام ....