وقد قسم جابر العلوم إلى دينية ودنيوية، وقسم الدينية إلى عقلية وشرعية، وتحت كل منهما تقسيمات، فأما العلوم الدنيوية، فهي نوعان؛ شريف ووضيع، الشريف علم الصنعة، أو علم الكيمياء، والوضيع علم الصنائع التي يحتاج إليها علم الصنعة، أو الصنائع المستغنى بها عن سواها في كسب الإنسان الدنيوي.
وقد وجد لجابر تقسيم آخر جعل العلوم سبعة، ضمنها الطب، والكيمياء، والفلك، والطبيعة، وغيرها.
وقد يجد بعض الباحثين في تقسيم جابر تأثرًا بتقسيم اليونان للعلوم، ولكن ذلك لا ينفي أن جابر بن حيان قد تفرَّد ببعض السمات التي تجعله أصيلًا وليس عن اليونان.
وبعد جابر يأتي في تاريخ الفكر الكندي (ت 260 هـ) الذي تأثَّر بأرسطو بنسبة كبيرة، فقسم الفلسفة إلى علوم ثلاثة: العلم الرياضي، والعلم الطبيعي، وعلم الربوبية، وهو أعلاها [1] ، وتركيز الكندي على علم الربوبية - قسيمًا للعلوم التي تختص بالأشياء المخلوقة - جعله يتميَّز عن تقسيمات أرسطو للعلوم، وأظهر هذا اهتمام الكندي بالحكمة الإلهية مقابل الحكمة البشرية.
وأما الفارابي (ت 339 هـ) ، فقد عدَّ من أشهر من كتبوا في الإحصاء وتصنيف العلوم، وذلك من خلال كتابيه (إحصاء العلوم) و (التنبيه على سبيل السعادة) ، وإن كنا لا نعدم الإشارة الموضحة لرأيه في تصنيف العلوم في كثير من كتبه الأخرى [2] ، ومجموعها يؤكد تقسيم العلم إلى نظري وعملي، النظري يشمل علم التعاليم، وعلم الطبيعة، وعلم ما بعد الطبيعة، والعلمي يشمل السياسة والأخلاق؛ وذلك لأن من العلم ما يعلم ليُعتَقَد ومنه ما يعلم ليعمل به.
ويعرف تاريخ الفكر الإسلامي محاولات كثيرة أخرى في هذا الصدد:
فهناك ابن سينا في رسالته (في أقسام العلوم العقلية) .
وهناك إخوان الصفا في رسائلهم.
وهناك الخوارزمي في مفاتيح العلوم.
وهناك ابن خلدون في المقدمة.
وهناك طاش كبرى زادة في (مفتاح السيادة ومصباح السعادة) .
وهناك الأكفاني في (إرشاد القاصد إلى أسمى المقاصد) .
وهناك التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون [3] .
(1) ابن نباتة المصري، سرج العيون في شرح رسالة ابن زيدون، 125 (طبعة 1322 هـ) ، القاهرة، رسائل الكندي، تحقيق د، محمد عبدالهادي أبو ريدة، 363، طبعة القاهرة.
(2) الفارابي الجمع بين رأيي الحكمين 32، جامعة القاهرة، 1970.
(3) جلال موسى، تصنيف العلوم، 26 مجلة المسلم المعاصر، العدد 41، محرم 1405 هـ.