اللحظة يعلق محمد بحيص على الحدث بدءً من المظاهرات الشعبية الواسعة التي اندلعت في إيران محملة بالشعارات الإسلامية ثم انتصارها على واحد من أعتى النظم القومية في العالم الثالث فيقول:
«منذ سنوات ونحن نبحث عن خط الجماهير وهو أمام أعيننا ولكن ما كنا نراه. انظروا أليس الإسلام هو خط الجماهير في بلادنا؟ فبأي منطق نبحث عن سمات الثورة بالقول أنها وطنية ديمقراطية (بمعنى أنها برجوازية من النمط الغربي المعدل ماويا) أو أنها اشتراكية بينما هي هنا إسلامية. أردنا أو لم نرد؛ فإن هذه الأحشاء هي التي ستلد الثورة في بلادنا. أي هذه المجتمعات، هي مجتمعات إسلامية تحمل المخزون التاريخي الإسلامي، وتحمل الأماني والتطلعات ذات الطبيعة الإسلامية. وسواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا يجب أن نقر بهذه الحقيقة إذا ما كنا نريد أن نمسك بخط الجماهير، أو نكشف سمة الثورة في بلادنا» [1] .
لقد أذِن انتصار الثورة في إيران بمرحلة جديدة بدأت داخل التيار بمراجعة جذرية شاملة للتراث العربي الإسلامي وتقييم التجربة الإسلامية في ضوء سلسلة من الدراسات والنقاشات المفتوحة بين مجمل التيارات داخل «فتح» وخارجها. وليست كتابات منير شفيق التي ظهرت في أعقاب النقاشات سوى انعطافة، بارزة للتيار نحو تبني الإسلام كعقيدة ومنهج عمل. إذ أعيدت أسباب النكبة (1948) إلى انهيار الخلافة وغزو الوطن العربي وتجزئة الأمة الواحدة ديمغرافيا وجغرافيا ومحاربة الإسلام بالتغريب الثقافي. وهكذا انتقل التيار نظريا من منظومة أخلاقية - قيمية استندت مبرراتها، فيما مضى، إلى الدفاع عن مصلحة الثورة والشعب إلى منظومة نقيضه تستند إلى العقيدة والتاريخ. بيد أن التيار واجه مشكلتين قبل انطلاقة مشروعه الجهادي الإسلامي الذي بدأ التخطيط له أواخر السبعينات ووضعه قيد التنفيذ ابتداء من أوائل العام 1983. وهاتين المشكلتين هما:
? أن التيار لم يستطع ترجمة قناعاته عمليا منذ بداية التحول على أرض الإسلام. وظلت نشاطاته قائمة في إطار حركة «فتح» . وكانت المحاولة الأولى له عبر المزج بين الوطنية والإسلام لما حاول محمد بحيص ومحمد التميمي إعطاء اسم إسلامي لعملية «الدبويا» العسكرية التي نفذت في مدينة الخليل (1980) كرمز لوحدة العمل الإسلامي والوطني الفلسطيني بهدف إحداث انعطافة في سياسات الثورة الفلسطينية من خلال العودة إلى «المنطلقات» والتحالف والصحوة الإسلامية والاستناد إلى المرجعية الإسلامية [2] .
? مواجهة التيار عوائق تتصل بتنوع بنيته الأيديولوجية. فالماركسيون رأوا أنفسهم محرجين إزاء التحول من النقيض إلى النقيض مثلما عبر عن ذلك، على الأقل، السجناء في رسائلهم إلى قادة لجنة التنظيم. وفضلا عن الماركسيين ثمة مثقفين داخل التيار نهلوا من ثقافة الغرب وتجارب عدة أوصلت بعضهم إلى درجة الإلحادية. كما اشتمل التيار على شريحة اجتماعية مسيحية. وكل هؤلاء شكلوا عقبات كبرى حالت دون الانتقال السريع إلى
(1) شفيق (منير) .- شهداء ومسيرة - المصدر السابق - ص 136.
(2) نفس المصدر.- ص 32.