فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 413

يقول «بحيص» و «التميمي» : «إن موضوع الماركسية أخذ منا معاناة كبيرة جدا وتعقيدات كثيرة وحوارات طويلة حين توصلنا إلى قناعات بالتخلي عن أرضها ومنهجها ... من مناقشة نظرتها الفلسفية المادية إلى منهاجها (المادية الدياليكتيكية) إلى فهمها للتاريخ (المادية التاريخية) وأخيرا إلى موضوعاتها الاقتصادية المتعلقة بالاشتراكية العملية، ناهيك عن خيبة الأمل المتكررة التي منينا بها ونحن ندقق في نتائج تطبيقاتها على الشعوب المختلفة خصوصا تجربة الاتحاد السوفياتي، وأوروبا الشرقية، ثم الدول الأفريقية، ثم فيتنام وكوبا وأخيرا الصين، الأمر الذي أدى بنا إلى إجراء نقد جوهري إلى أساسات المنظومة الماركسية» [1] .

يوضح منير شفيق أن القطيعة مع الصين تبدأ من عند الثورة الثقافية فيها التي تَبيَّن للتيار أنها «ذات روح تغريبية عالية بالرغم من شعبويتها ونفسها الجماهيري ومعارضتها للبيروقراطية وتسلط الحزب والدولة على الشعب» . أما الموضوعة الأهم فهي تلك الواردة في البيان الشيوعي والتي تبنتها الثورة الثقافية والداعية إلى «ضرورة القطع التام مع الماضي بكل أوجهه وليس فقط مع البرجوازية» [2] . ولعل السؤال الذي طُرح على التيار في حينه تمثل بماهية سمات الثورة في بلد ما إذا ما أُخرج المجتمع من سياقه الحضاري. تُرى كيف تعبر أمة عن وجودها بلا انتماء أو هوية أو تاريخية ما أو عقيدة دينية؟ ماذا ينبغي لـ «محمد بحيص» أن يفعل وهو الذي تعلم ألا يدَع فرض صلاة يفوته وهو ماركسي- قومي؟ أو «محمد التميمي» الذي ينتمي إلى عائلة عريقة في لب مدينة الخليل، وتكثر فيها المشايخ وتتحصن بتدين تقليدي فطري؟ ماذا تبقى لهما ولرفاقهما لو قبلوا بأطروحات الثورة الثقافية؟

لا شك أن الكثير من التساؤلات كانت موضع جدل ونقاش كبيرين داخل التيار ومع بعض التيارات الأخرى. وإذا كان الاسترشاد بالماركسية- اللينينية- الماوية ساهم في تقديم خدمات جليلة لـ «خطة العمل» فإن تطبيقاتها والحالة التي أفرزتها لا يصح نسبتها، فقط، إلى الماركسية. فالمواقف والسلوكيات التي مارسها التيار تجاه ذاته وتجاه المجتمع تبدو أقرب إلى الإسلام وفطرة المجتمع، بدليل التحالفات التي نسجها مع القوى الاجتماعية المختلفة وتفاعله مع التصورات والرموز والمعتقدات السائدة وانحيازه لها لا محاربتها. في الأثناء حدث ما لم يكن في الحسبان، وهو انتصار الثورة الشعبية في إيران محدثة هزة في أركان العالم. دولة تقوم وتُعلن عن نفسها بعنوان «الجمهورية الإسلامية» في إيران [3] . وكعادته، فلم يتأثر أحد من الشعوب العربية والإسلامية بما حدث في إيران مثلما تأثر الشعب الفلسطيني الذي يتطلع دوما نحو مصادر القوة لنيل تعاطفها ودعمها لكفاحه [4] . وابتداء من هذه

(1) نفس المصدر.- ص 19.

(2) شفيق (منير) .- شهداء ومسيرة - مصدر سابق - ص 34.

(3) (تغير الاسم فيما بعد إلى"جمهورية إيران الإسلامية"بعد أن تراجعت إيران عن مبدأ تصدير الثورة.

(4) (( كان ياسر عرفات أول زعيم عربي يتم استقباله في إيران من قبل الإمام آية الله الخميني. وخصص له حفل استقبال ضخم على الصعيد الرسمي وحفل شعبي شارك فيه نحو مليون شخص وهو ما لم يتح لأي زعيم عربي حتى ذلك الحين بما في ذلك الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت