هذا السياق يذكر منير شفيق، صاحب المحاولة التأريخية الأولى للتيار، أن التركيز على الأرض المحتلة كان، أصلا، مبعث تكونه وتميزه عن التيارات الأخرى داخل حركة «فتح» خاصة بعد خروج الثورة من الأردن وشيوع الاعتقادات التي روج لها البعض بأن الثورة انتهت، وأن العمل الفدائي ضد إسرائيل انحسر وشُلت فاعلية التأثير السياسي الفلسطيني مقابل صعود التأثير السياسي العربي والإسرائيلي الهادف إلى تمرير تسوية سياسية تنهي الصراع العربي- لإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية. وفعليا، بدا الأمر مواتيا. إذ روجت سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي عزمها على إجراء انتخابات بلدية في الأراضي المحتلة (الداخل) . وعلى الفور خيم على قيادة «فتح» والثورة «شبح القيادة البديلة» . في الأثناء كان كمال عدوان، عضو مركزية «فتح» ، يشغل مهمة العمل الفدائي في الداخل ضمن مسئوليته عن جهاز «القطاع الغربي» . ورأى «لإثبات قوة» «فتح» و «الثورة» إرسال مجموعات مقاتلة إلى الداخل انطلاقا من جنوب لبنان لتوجيه إنذار غير مباشر لكل من ينقاد إلى ما اعتبر في حينه «مؤامرة القيادة البديلة» ، والمقصود بذلك بعض النخب الاجتماعية التي انضوت تحت اسم «الشخصيات الوطنية» خاصة تلك الناشئ نفوذها عن ارتباط مصالحها الاقتصادية في الأردن من جهة وبتسهيلات إسرائيلية إزاء نشاطاتها السياسية وطموحاتها الاقتصادية من جهة أخرى [1] .
بطبيعة الحال توجه كمال عدوان إلى الجنوب اللبناني متجولا بين قواعد المقاتلين لاختيار المتطوعين. وكانت صدمة له لما فوجئ بقلة العدد، وعدم الاستعداد، وهبوط المعنويات. والأسوأ من ذلك تضاؤل الخبراء في مناطق الحدود والجليل الفلسطيني المحتل. كانت خيبة الأمل كبيرة، والجولة التي شاع خبرها سلبا جاءت لتدلل عند بعض التيارات على فشل القيادة دون أن تقدم بديلا ملموسا. هذه الحادثة التقطها محمد بحيص الذي رأى في نتائج الجولة «ثغرة» [2] ينبغي التقدم لسدها بدلا من الحوارات العقيمة والطويلة التي تخاض بين جدران المكاتب. وحتى لا تعيق الحرب الأهلية هذا الاختيار فقد تناوب محمد بحيص ومحمد التميمي على متابعة العمل طوال الفترة
(1) نجمت المشكلة على خلفية مشروع المملكة المتحدة الذي أعلنه العاهل الأردني الملك حسين لحل الصراع مع إسرائيل. وهو المشروع الذي تنسحب بموجبه إسرائيل من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وتندمج مع المملكة الأردنية الهاشمية تحت اسم جديد هو المملكة المتحدة. وغداة ذلك بقليل أعلنت إسرائيل عن نيتها إجراء انتخابات بلدية سنة 1972 بهدف إيجاد قيادة محلية يمكن التفاوض معها على تسوية سياسية. ولمزيد من الاطلاع على إشكالية القيادة المحلية والقضايا المرافقة. يراجع في ذلك: ماعوز (موشيه) .- القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية (أسرار، تحركات ومواقف) - فلسطين المحتلة - مترجم عن اللغة العبرية إلى اللغة العربية بدون ذكر لاسم المترجم. والكتاب نسخة ضوئية موجودة في مكتبة مركز التخطيط الفلسطيني (م. ت. ف) ، والتاريخ التقريبي لصدور الكتاب سنة 1985 / ص 1 - 8.
(2) (يستعمل منير شفيق في مؤلفه تعبير"ثغرة"ليشير بذلك إلى تأثر التيار منذ بداياته بالنظرية الأولى التي كانت وراء تجربة حركة المرابطين في المغرب. أي فكرة سد الثغور. فأينما وجد ثغر معرض للهجوم أو السقوط من جانب العدو، وكان بحاجة لمن يذهب إليه لحمايته أو لتدعيم حاميته، يجب أن يُصار إلى التوجه هناك. وللعلم فإن هذا المحتوى جرى التعبير عنه في حينه بشعار ورد في كتاب"أفكار ثورية في ممارسة القتال"بصيغة"نذهب حيث المهمات الأصعب".شفيق(منير) . - شهداء ومسيرة ... - مصدر سابق - ص 106،101.