في انفراد الحركة الفلسطينية برفض قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن الدولي خلال حرب العام1967 واستئناف الكفاح المسلح بعيدا عن موقف غالبية الدول العربية.
ولكن، ولخوض حرب تحريرية ينبغي البحث عن الشروط الموضوعية التي يمكن الركون إليها بحيث يصبح خوض الحرب أمرا ممكنا. ولعل فعالية أية حركة تحرر تستوجب التفكير ببناء التنظيم السري في مرحلة معينة، ودراسة الواقع بتشكيلاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والقيمية والدينية والأخلاقية عموما، والتوزيع السكاني وأنماط الحياة الاجتماعية، وطوبوغرافيا الأرض والعمليات الحربية، والإمكانيات المادية بالمقارنة مع إمكانيات العدو، والبحث عن قاعدة آمنة وملائمة، وتحديد استراتيجيات العمل ابتداء من حرب العصابات وصولا إلى الحرب الشعبية طويلة الأمد ... كلها مسائل اعتبرت في صميم الحرب التحريرية التي يقع البت فيها قبل تحديد ساعة الصفر.
هذه المسائل كانت موضع نظر من قبل حركة «فتح» إلا أن الانطلاقة المسلحة كانت ذات صفة نخبوية لا جماهيرية، وسريعة جدا وخطرة. وبرغم استفادتها من الرصيد المعرفي المتوفر إلا أن «فتح» تجاوزت التحذيرات الصينية لقادتها لجهة الالتزام بقوانين الحرب الشعبية ونأت بنفسها عن أية أيديولوجيا أو أهداف سوى تحرير فلسطين. أما العضوية فيها فلم تشترط إلا الإيمان بمبدأ الكفاح المسلح، وأن يتخلى الراغب في الانتساب إليها عن ولاءاته السياسية والأيديولوجية لتكون حركة لكل الشعب الفلسطيني.
وقبل العام1967 لم يكن ثمة تنظيم عربي أو فلسطيني أو شبه فلسطيني يمتلك أية خبرة كافية أو تجربة عن عمل حركات التحرر الشعبية لدرجة أن الانطلاقة كانت مفاجئة لجميع القوى السياسية الرسمية والشعبية بما في ذلك جموع اللاجئين الفلسطينيين. أما بعد ذلك فقد سجل تحولين مثيرين في تاريخ الكفاح الفلسطيني:
الأول: تبني المنظمات الأخرى، وبصورة آلية، فيما عدا الحزب الشيوعي، الكفاح المسلح كمنهج وحيد للتحرير، فكانت النتيجة أن وقعت المنظمات الفدائية، بما فيها «فتح» ، في حيرة من أمرها لجهة تحديد هوية نشاطاتها المسلحة هل هي كفاح مسلح أم عمل فدائي أم مقاومة أم ثورة أم ... إلخ ولم تكن الحيرة هذه لتقع لو أن النضال الفلسطيني كان واردا تأطيره في مشروع منظم ومدروس في حينه فلماذا هي كفاح مسلح وليست عملا فدائيا، مثلا، فهو أمر غير مفهوم؟ ولماذا هي ثورة وليست مقاومة، أو العكس، فهو أمر غير مفهوم أيضا. ولكن أيا من هذه التسميات من المفهوم بوضوح أن فعالياتها كان من الممكن أن تصل إلى أقصى مدياتها إلا من قدرتها على تحرير فلسطين.
الثاني: أن هذه الوضعية المحيرة والمشحونة عاطفيا ما لبثت أن سقطت في غياهب الفكر الماركسي الذي أخذ يكتسح دول العالم الثالث في أواخر الستينات من القرن العشرين حيث تبنت المنظمات الفدائية تباعا الأيديولوجية الماركسية اللينينية لتأطير نشاطها التنظيمي والمسلح محتجة بمقولات من نوع «لا ثورة بدون نظرية