الأخرى للمسلم؟ وهل يستطيع د. قحف أن يحدد فترة الحياة الأخرى؟! التي يعتبر تحديدها شرطًا أساسيًا لحساب القيمة الحالية؟!.
وإذا كان د. قحف في محاولته الثانية أكثر وضوحًا، إلا أن مفهومه للرشد الاقتصادي ما زال يعاني من إشكالات، فافتراض د. قحف أن المسلم يقوم بتعظيم الفلاح انطلاقًا من المعايير الثلاثة المحددة لسلوك المستهلك المسلم كما يراها - لا يتفق والمنهج العلمي - وذلك لأن هذا الافتراض لا يمكن اعتباره فرضية جدلية، حيث إن بناء الفرضية الجدلية يتطلب جمع الحقائق العلمية المترابطة وتصنيفها، ثم تعميمها على شكل جملة منطقية كي تعتبر فرضية جدلية. وعليه، فما هي الحقائق العلمية التي انطلق منها د. قحف في أن المسلم في الواقع العملي يقوم فعلًا بتعظيم الفلاح وذلك من خلال الإنفاق كما أمره الله سبحانه وتعالى؟!.
وواقع الحال أن القرآن الكريم يصف حال البشر الفعلية من حب الناس للمال، قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [1] . وقوله سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [2] . وبسبب إحجام الناس عن الإنفاق في سبيل الله اعتبر الإسلام إنفاق المال في سبيل الله جهادًا وقدمه على الجهاد بالنفس، قال تعالى: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [3] . وذلك ليحرر النفس البشرية من حبها الذي طبع على جمع المال وتكديسه، لهذا قال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [4] ، وقوله سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ... } [5] .
ومن هنا نلاحظ أن افتراض د. قحف أن المسلمين يقومون بتعظيم الفلاح عن طريق الإنفاق في سبيل الله، لا يتفق والواقع الذي وصفه القرآن الكريم. كما أن بعض تصرفات المسلمين الواقعية لا تؤيد ما ذهب إليه د. قحف في أن المسلمين يهدفون إلى تعظيم الفلاح من خلال الإنفاق في سبيل الله، إذ كيف نفسر تصرف المسلم الذي يصوم ويصلي وقد يحجم عن دفع الزكاة؟ وكيف نفسر تصرفات المسلمين الذين يحجمون عن الإنفاق؟!.
(1) الآية 20/ سورة الفجر.
(2) الآية 1/ سورة التكاثر.
(3) الآية 11/ سورة الصف.
(4) الآية 177/ سورة البقرة.
(5) الآية 14/ سورة آل عمران.