وتقوم سيادة المستهلك في الاقتصاد الرأسمالي على أساس أن كل إنسان هو خير حكم على ما هو أفيد له بين السلع والخدمات التي يمكن أن ينفق عليها دخله .. يقول جون كينيث غالبريث:"المستهلك إذا جاز التعبير هو الملك. وإن كل مستهلك هو الناخب الذي يقرِّر بصوته أن هذا ما يجب عمله، لأنه يريده أن يُعمل" [1] .
إن مَنْ يطالع الكتب والأبحاث المتعلقة بالتعلم الاقتصادي يرى أنها تنزِّل المستهلك منزلة رفيعة، وتعتبره الشخصية السائدة التي تمسك بزمام المبادرة. فهو الذي يسعى للسوق لتأمين حاجاته الأصلية الكامنة أو التي تفرضها عليه البيئة، فيشتري منها ما يحتاجه من سلع وخدمات.
وهكذا نرى أن الأوامر تسير باتجاه واحد، فتوجّه من الفرد إلى السوق ومنها إلى المنتج. هذا ما تؤكده بصورة ملائمة مجموعة من المصطلحات التي تشير كلها إلى أن المستهلك هو مصدر سائر السلطات وهو ما يُدعى أيضًا، بسيادة المستهلك، يقول فرانكلين فيشر:"هناك دائمًا في اقتصاد السوق إقرار بسلطة المستهلك وتسليم بسيادته" [2] .
إن فكرة سيادة المستهلك في الاقتصاد الرأسمالي منتقدة [3] ؛ حيث إن حرية المستهلك في توزيع دخله على ما يشاء من السلع والخدمات تتعرض في مجتمعات الاستهلاك العالي لقيود غير مرئية، تفرض عليه نماذج معينة من الاستهلاك.
ففي هذه المجتمعات يقع المستهلك فريسة لمؤثرات مصطنعة وضغوط اجتماعية مغرضة أو عفوية تُزرع أو تنمي عمدًا بقصد الترويج لمنتجات معينة، أو بقصد دفع الناس إلى اللهث المستمر وراء الاستهلاك، فالمزيد من الاستهلاك بوجه عام. يقول فرانسوا دال:"إن غزو المستهلك لشيءّ مثير، وهو ما يؤكد أن الحقيقة دائمًا مغيرّة اللون غير واضحة المعالم بالنسبة للمستهلك، كما هي بالنسبة للمنتج" [4] .
(1) جون كينيث غالبريث - الدولة الصناعية الحديثة، ترجمة يحيى علي أديب، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1972 م، ص 301.
(2) نقلًا عن: جون كينيث غالبريث - الدولة الصناعية الحديثة، مرجع سابق، ص 302.
(3) ينظر في الانتقادات الموجهة لسيادة المستهلك: فرانسيس جرين وبيتر نور - دراسات نقدية في النظرية الاقتصادية، مرجع سابق، ص 52 - 67، و د. علي عبد رب الرسول - المبادئ الاقتصادية في الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980 م، ص 184 - 192.
(4) فرانسوا دال - مستقبل السياسات الإدارية، ترجمة فؤاد نجيب، دار نهضة مصر، القاهرة، 1977 م، ص 196.