الآية 31، والآية 32: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ} التي شَرَعها اللهُ لكم - مِن لِبس الثياب الساترة للعورة، والنظافة والطهارة ونحو ذلك - {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} : يعني عند أداء كل صلاة (فلا تُصَلّوا وأنتم مَكشوفوا العورات، ولا تطوفوا بالبيت عُراة كما فعل المشركون) ، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} من طيبات ما رَزَقكم الله، {وَلَا تُسْرِفُوا} : يعني ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك، {إِنَّهُ} تعالى {لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} في الطعام والشراب وغير ذلك.
? واعلم أنّ هذه الآية أصلٌ من أصول الدواء، إذ حَرَّمَتْ الإسراف في الأكل والشرب، لأن ذلك سبب كافة الأمراض، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ آدَمِيٌّ وعاءً شرًا مِن بطنه، بِحَسْب - يعني يكفي - ابن آدم أكَلات يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا مَحالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثُلثٌ لنَفَسِه) (انظرالسلسلةالصحيحة ج: 5/ 336) .
? وَلَمَّا حَرَّمَ المشركون الطوافَ بالثياب - وطافوا بالبيت عُراة - بِدَعوَى أنهم لا يطوفون بثيابٍ عَصَوا اللهَ تعالى فيها، أنكَرَ اللهُ ذلك عليهم بقوله: {قُلْ} أيها الرسول لهؤلاء المشركين: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} : يعني مَن الذي حَرَّمَ عليكم الثياب التي جعلها اللهُ زينةً لكم؟ (واعلم أنّ معنى: {أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} : أنه سبحانه أخرج النبات - الذي يُصنَع منه الثياب - من الأرض، كالقطن والكِتَّان وغيرهما) .
{وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} : يعني ومَن الذي حَرَّمَ عليكم التمتع بالحلال الطيب مِن رزق اللهِ تعالى؟ (والمقصود بذلك: اللحوم التي حَرَّمَها المشركون افتراءً على اللهِ تعالى، وهي المذكورة في سورة الأنعام) ، {قُلْ} لهم أيها الرسول: إن المَطاعم والمَشارب والملابس التي أحَلَّها اللهُ تعالى {هِيَ} حقٌ {لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يُشاركهم فيها غيرُهُم، {خَالِصَةً} لهم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} دونَ أن يُشاركهم فيها أحد، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يَعلمونَ ما يُبَيِّنُ لهم فيَعملوا به، (فبذلك أخبر تعالى عن نعمةٍ عظيمة، وهي تفصيلِهِ للآيات وإظهارها، ليَنتفع بها العلماء الذين يُمَيِّزونَ - بنور العلم - بين الحق والباطل، ولِيُعَلِّموها للناس) .
? وفي الآية دليل على أنه يُشرَع التَجَمُّل بأحسن الثياب، وخاصةً في الأعياد والجُمَع وزيارة الناس ومقابلة الوفود، وليس مِن السُنّة لِبس المُرَقَّعات، وليس معنى: (لباس التقوى) أنها الثياب الخشنة والمُرَقَّعة، وإنما المقصود بذلك: تقوى اللهِ تعالى بامتثال الأمر واجتناب النَهي، وفي الحديث الصحيح: (إنّ اللهَ جميلٌ يحب الجَمال) .