الأول فتغور بعدها، حتى تصل إلى طبقة كثيفة ثانية وتشكل المياه الغائرة العميقة [1] . وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) [البقرة: 74] ، ويقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) [الزمر: 21] .
والمياه الجوفية تخرج إما عن طريق الينابيع، أو عن طريق الآبار.
والينابيع على شكلين:
الأول حقيقي: وهو مخرج المياه الغائرة العميقة، وتكون مياهه ثابتة المقدار والحرارة، ولا تؤثر فيها كثرة الأمطار ولا برودة سطح الماء أو سخونته، وتكون مياها نقية.
والثاني غير حقيقي: وهو الينبوع الذي تؤثر فيه كثرة الأمطار، وتكون حرارته غير ثابتة، ولا يؤمن نقاء مياهه لقرب اتصالها بسطح الأرض.
والآبار نوعان: أ. آبار عادية: يحفرها الإنسان في الأرض للوصول إلى طبقة المياه الغائرة، ثم يُستخرج ماؤها بأساليب مختلفة [2] .
ب. آبار ارتوازية: يخرج ماؤها من تلقاء نفسه لكونه في باطن الأرض أعلى من فوهة البئر" [3] ."
وجدير بالذكر أن المياه الجوفية تشكل حوالي 24% من إجمالي المياه العذبة في العالم، وما يقرب من 6,0% من مخزون المياه الموجودة على الكرة الأرضية، وبهذا تكون المياه الجوفية مستودعًا كبيرًا للمياه العذبة على الأرض، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) [البقرة: 74] . كما تعتبر المياه الجوفية المورد الأساس للمياه في الكثير من بلدان العالم الصحراوية التي تفتقر إلى الأنهار، مثل المملكة العربية السعودية، ودول الخليج العربي، وليبيا ... وغيرها، وإن كانت بعض هذه الدول قد خطت خطوات رائدة في مجال تحلية المياه المالحة مؤخرا كالمملكة العربية السعودية
وعلى الرغم من أن مياه الآبار والينابيع تعد من أقل أنواع المياه تلوثًا نتيجة لمرور المياه السطحية بعدة طبقات تعمل كمرشحات للجراثيم والميكروبات، فإنها يمكن أن تتلوث إذا جاورت مصادر التلوث الأخرى كخزانات الصرف الصحي -خاصة المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض- كما يمكن أن تكون المياه الجوفية من نوع الماء العسر نتيجة لتسرب كميات من الأملاح المعدنية إليها مثل: الكالسيوم والماغنسيوم، وهذا يؤثر على إمكانية استخدام المياه في الأغراض المختلفة، كما يؤدي تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي إلى انتشار الأمراض الطفيلية. ويمكن التحكم في تلوث المياه الجوفية بدق المضخات على أبعاد تؤمنها من خزانات الصرف الصحي أو مصادر التلوث الأخرى، كما يجب تحليل الماء الخارج أو
(1) د. عبد الفتاح الحسيني الشيخ، الماء والإصحاح في الإسلام، منظمة الصحة العالمية، سلسلة الهدى الصحي (2) سنة 1988 م. ص 2 ـ 3 بتصرف.
(2) ولحافر الآبار في الشريعة الإسلامية ثلاثة أحوال:
أولًا: أن يحفرها للسابلة فيكون ماؤها مشتركًا، وقد وقف عثمان رضي الله عنه بئر رومة.
ثانيًا: آبار خاصة الابتداء، عامة الانتهاء، فالآبار التي يحتفرها البدو أثناء مرورهم، فهي لهم ما داموا منتجعين أرضها، وإذا تركوها صارت سابلة.
ثالثًا: أنه يحفرها الشخص لنفسه بالفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن لأصحاب الماشية الرعي إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله، منع الناس من رعي ذلك الكلأ، خوفًا على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعًا من رعي الكلأ .. فالمانع يكون مانعًا لشيئين من الممتلكات العامة: الماء والكلأ، والتحريم في ذلك واضح .. راجع: الدكتور خالد عزب، كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟ (مرجع سابق) ص 12 وما بعدها بتصرف.
(3) د. عبد الفتاح الحسيني الشيخ، الماء والإصحاح في الإسلام (مرجع سابق) ص 3 ـ 4 بتصرف.