وقد زعموا تعظيم المسيح بذلك، فاجتهدوا بحمقهم في ذمه وتنقصه والإزراء به والطعن عليه، وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود وتنفير الناس عنهم وإغراءهم بهم، فشوهوا بذلك النصرانية وملؤوها بالشرك والخزعبالت..
فإن زعموا أنهم إنما يعظمونه لأنه يرمز إلى خلاصهم ونجاتهم وعقيدة الفداء التي صلب من أجلها المسيح بزعمهم..
... يقال لهم: فأنتم تعظمون كل صليب، ولا تخصون التعظيم بذلك الصليب الأول بعينه !!
فإن قالوا: الصليب من حيث هو، يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا .
قلنا: فاليد التي صفعته ولطمته وقتلته.. أولى أن تعظم من الصليب!! فعظموا أيدي اليهود لمسهم إياه وإمساكهم له، ثم أنقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي.
فإن قالوا: منع من ذلك مانع العداوة.
قلنا: قد زالت العداوة بينكم اليوم.. ثم عندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختاره ولو لم يرض به لم يصلوا إليه، ولو شاء لأمده الله بإثني عشر فيلقًا من الملائكة كما تقدم.. فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم إذا فعلوا مرضاته واختياره الذي كان سبب خلاص جميع المؤمنين من الجحيم عندكم .. فما أعظم منّة اليهود عليكم وعلى آبائكم؛ إذ قتلوا إلهكم، وصفعوه، وصلبوه بزعمكم (1) .
ولقد أعجبتني كلمة في شأن الصلب المدعى وما يتعلق به من عقيدة الفداء؛ لقس مصري هداه الله فأصبح من دعاة الإسلام بعد أن كان من دعاة النصرانية ؛ حيث قال: ( إن كان المسيح ربًا فلماذا يحتاج كي يغفر للعباد ويُكفّر ذنوبهم أن يُصلب ويُهان ويُصفع ويُبصق في وجهه ..!!
وأين هذا من قوله تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53) ..
(1) مستفاد من إغاثة اللهفان (2/287) بتصرف.