مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: لكم في التأسي برسول اللَّه الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه:
أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول اللَّه قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟!
والثاني: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ) ، أي: صار لكم (فِي رَسُولِ اللَّهِ) إذا بعث رسولا (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) : فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ فالواجب عليكم أن تتاسوا به.
والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول الله وسن.
أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس:"فلان أسوة غرمائه"، أي: يكون المال بينهم على الاستواء، هذا - واللَّه أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.
وقوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: يكون في رسول اللَّه أسوة لمن خاف اللَّه وآمن باليوم الآخر وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له.
وجائز أن يكون قوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ) ، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ولمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر.
أو أن يكون لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله: (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) . ذكر اللَّه يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، واللَّه أعلم" [1] ."
الْأُسْوَةُ فِي الرَّسُولِ. . الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. . [2]
قال الطبري:" (لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ) يقول: فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو" [3] .
(1) تأويلات أهل السنة (8/ 367)
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 22)
(3) جامع البيان (20/ 235)