تناولنا في هذا البحث تعريفَ التأمين الصحي لغة واصطلاحًا، وميَّزنا فيه بين أنواع خمسة: التأمين الصحي الاجتماعي الذي تتولَّاه الدولة، والتأمين الصحي التجاري الذي تقوم به شركات تجارية تهدف إلى الربح، والتأمين الصحي التعاوني الذي تمارسه شركات تعاونية تعمل وفق ضوابط شرعية، والتأمين الصحي التبادلي الذي تنظِّمه مجموعة محددة لعلاج من يمرض من بين أفرادها، والتأمين الصحي المباشر الذي يتفق فيه شخص مع مستشفى يلتزم بعلاجه مقابل مبلغ محدد، وبينَّا أن هذه الأنواع من التأمين مشروعة، ما عدا التأمين الصحي التجاري القائم على استغلال حاجة الناس، مما جعل نجمَه يبدأ في الأُفول ليحلَّ محله التأمين التعاوني.
وأوضحنا - بعد ذلك - أن الحاجة إلى التأمين الصحي قد تزايدت في هذا العصر مع تغير أنماط الحياة، وكثرة الأمراض، وارتفاع تكاليف العلاج وثمن الدواء، مما جعل هذه الحاجة تنزل منزلة الضرورة عند أغلب البشر؛ لما تتضمنه من بعض مقاصد الشريعة (النفس والعقل والنسل) .
وفي التكييف الشرعي للتأمين الصحي: اخترنا أن يكون تعاقد الشخص مع شركة تأمين تلتزم بردِّ ما ينفقه من مصروفات العلاج وثمن الدواء، في الأماكن وبالحدود التي تعيِّنُها، مقابل أقساط يؤدِّيها، هو من قبيل عقد التأمين (عقد مسمًّى) ، وفي تعاقد إحدى المؤسسات مع مستشفى لعلاج من يعمل لديها مقابل مبلغ محدد أو أقساط معينة، يدخل هذا الاتفاق في إجارة الأشخاص (أجير مشترك) ، وتكون العلاقة بين المستشفى والمستفيدين من خدماتها اشتراطًا لمصلحة الغير، أما إذا توسطت شركة تأمين تعاوني بين المؤسسة وبين المستشفى، فيكون العقد الذي أبرمته المؤسسة مع شركة التأمين اشتراطًا لمصلحة الغير، والعقد الذي أبرمته شركة التأمين مع المستشفى إجارة أشخاص (أجير مشترك) يتضمن اشتراطًا لمصلحة الغير.
بعد ذلك تناول البحثُ تحديدَ مدى الغَرَر أو الجهالة في عقد التأمين الصحي، فبيَّن أن عقود التأمين على اختلاف أنواعها تتضمن عنصر الاحتمال؛ نتيجة الجهالة التي تعتري محل العقد، وقد يخفف من تأثيرها على صحة العقد ما يعتمد عليه التأمين من مبدأ الأعداد الكثيرة والإحصائيات الدقيقة، وما يقوم عليه التأمين التعاوني من نية التبرع وقصد التكافل، وكذلك ما أشرنا إليه من الحاجة إلى التأمين الصحي، فقد تصل إلى حد الضرورة.
وهذا كلُّه يؤدي إلى إدراج مظاهر الاحتمال والجهالة في عقد التأمين الصحي ضمن حدود الجهالة المغتفرة.
وقد انتقل البحث إلى عرض الجانب التطبيقي للتأمين الصحي التعاوني، وذلك بتناول نموذجين: