الصفحة 5 من 26

والدليل: أي على هذه المسائل الأربعة: قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم - والعصر: قسمٌ من الله تعالى بالدهر وهو الزمان كله، وقيل: قسمٌ بوقت العصر، إن الإنسان لفي خسر: أي كل إنسان في خسارة يوم القيامة

إلا من استثناهم الله تعالى، وهم: إلا الذين آمنوا: هذا دليل العلم؛ لأن الإيمان يستلزم العلم؛ فإيماننا بالله وبرسوله وبدينه يعظم إذا عظم علمنا بهذه الأصول الثلاثة، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} سورة فاطر (28) ، وعملوا الصالحات: هذا دليل وجوب العمل بالعلم؛ و العمل لا يكون صالحًا؛ أي من الصالحات إلا بشرطين: أن يكون خالصًا لله تعالى، وأن يكون العبد متبعًا فيه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} سورة الكهف (110) ، وتواصوا بالحق: هذا دليل الدعوة إلى العلم الصحيح والعمل الصالح، فالحق هو كل ما وافق الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وتواصوا بالصبر: وهذا دليل المسألة الرابعة: أن يُصبر نفسه على الحق علمًا وعملًا ودعوة، وأن يوصي غيره بذلك، قال ابن قاسم رحمه الله: وفي هذه السورة الكريمة التنبيه على أن جنس الإنسان كله في خسار إلا من استثنى الله، وهو من كمّل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالطاعات، فهذا كماله في نفسه، ثم كمّل غيره بوصيته له بذلك وأمره به، وبملاك ذلك وهو الصبر، وهذا غاية الكمال.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: هو إمام السنة في زمانه المجدد الثاني للدين أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمه الله (150 - 204 هـ) : (لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم) : لاشتمالها على ما يجب على العبد في الإجمال، فهي كافية في بيان طريق النجاة والسلامة من الخسارة يوم القيامة، هذا هو مراده رحمه الله، قال العلامة ابن باز رحمه الله:"لكانت كافية في إلزامهم بالحق، وقيامهم بما أوجب الله عليهم، وترك ما حرمه عليهم"، ومقولة الإمام الشافعي هذه نقلها شيخ الإسلام في الفتاوى والبقاعي في تفسيره، ورواها ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره 4/ 548 بلفظ:"لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، ومن هدي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجلين كانا إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: والعصر إن الإنسان لفي خسر، ثم يسلم أحدهما على الآخر، راجع السلسلة الصحيحة 6/ 307.

وقال البخاري رحمه الله تعالى: هو إمام المحدثين وشيخ المسندين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح (194 - 256 هـ) : (باب العلم قبل القول والعمل) : أي يجب على العبد أن يتعلم أولًا ثم يعمل ويدعو ثانيًا؛ لأن العلم مصحح للنية والنية مصححة للعمل، واستدل على ذلك: والدليل قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} : ووجه الدلالة من الآية على المراد أنه: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل: فيتعلم أولًا، ثم يطلب الاستغفار قولًا بلسانه، وعملًا بتحقيق شروط التوبة وطلب أسباب المغفرة، وهذا النقل من المصنف من معنى كلام الإمام البخاري رحمهما الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت