أنه يجب علينا: الوجوب عند أهل العلم قسمان:
1 -وجوب عيني: في كل علم يجب على العبد أن يتعلمه، والعلم الواجب على كل مكلف هو علم ما يحتاج إليه للعمل به، كعلم التوحيد والصلاة والصيام، وعلم الزكاة إن كان له مال، والحج إن كانت عنده قدرة، ونحو ذلك، قال الإمام أحمد رحمه الله: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته وصيامه، ونحو ذلك.
2 -وجوب كفائي: وهو كل علم يتعلمه العبد ليعلمه غيره، كعلم الفرائض ليقسم بين الناس، وعلم دماء النساء ليجيب أسئلتهن، وعلم البيوع إن لم تكن له تجارة، ونحوها.
-والوجوب هنا في كلام المصنف: وجوب عيني.
تعلم أربع مسائل: مسائل جمع مسألة، والمسألة من السؤال، وهو ما يبرهن عنه في العلم، فكل ما يُبحث عن دليله وبرهانه في العلم يسمى مسألة، وهذه أربع مسائل عملية لا بد للمكلف معرفتها؛ لأنها طريق الفلاح والسعادة الأبدية، وقد نبه على أهميتها العلامة ابن القيم في زاد المعاد 3/ 10 وعدّها مراتب جهاد النفس، ونبه على أهميتها كذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري 11/ 346.
الأولى: العلم: ثم عرفه بقوله: وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة: وسبق لنا تعريف آخر للعلم: حكم الذهن الجازم المطابق للواقع، فاكتفينا فيه بالجزم ولم نشترط معرفة الأدلة، وفي هذا التعريف الذي ذكره المصنف رحمه الله اشترط معرفة الأدلة؛ ليخرج المكلف بذلك عن حيز التقليد المذموم، قال تعالى عن أهل الشرك والضلالة: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} سورة الزخرف (22) ، ومعرفة الله ونبيه ودين الإسلام هذا هو العلم الشرعي، وسيأتي معنا بيانه إن شاء الله في هذه الرسالة.
بالأدلة: الأدلة جمع دليل، والدليل ما يرشد إلى المطلوب، وقد يكون الدليل سمعيًا وهو ما ثبت بالكتاب والسنة، وقد يكون عقليًا وهو ما ثبت بالنظر والتأمل.
الثانية: العمل به: أي العمل بهذا العلم؛ بأداء حقوق الله تعالى، وحقوق نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما شرعه الله لنا من دين الإسلام.
الثالثة: الدعوة إليه: أي الدعوة لما تعلمناه وعملنا به؛ فندعو الناس إلى معرفة وأداء حقوق الله تعالى، ومعرفة وأداء حقوق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة وأداء شرائع الإسلام، وسنبين طريق ذلك عند حديثنا عن هذه الأصول الثلاثة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعريف الدعوة إلى الله كما في مجموع فتاويه 15/ 157:"والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، وبتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا".
الرابعة: الصبر على الأذى فيه: الصبر هو حبس النفس عن محبوباتها، وهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر على ترك معصيته، وصبر على الأقدار المؤلمة، ومراد المصنف هنا الأول، وهو أعظم أنواع الصبر أن يصبر المكلف على طلب العلم والعمل به ودعوة الناس إليه، ويتحمل في سبيل ذلك ما تكره النفوس من بلاء وأذى، والأذى الذي يلاقيه المكلف في سبيل الحق أنواع: قد يكون أذى بدنيًا أو ماليًا أو نفسيًا.