الصفحة 20 من 43

إلَى أَنْ قَالَ: انْكَشَفَ لِي فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْخَلَوَاتِ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ إحْصَاؤُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا، وَالْقَدْرُ الَّذِي أَذْكُرُهُ لِيُنْتَفَعَ بِهِ: أَنِّي عَلِمْت يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمْ السَّالِكُونَ لِطَرِيقِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَأَنَّ سِيرَتَهُمْ أَحْسَنُ السِّيَرِ، وَطَرِيقَتَهُمْ أَصْوَبُ الطُّرُقِ، وَأَخْلَاقُهُمْ أَزْكَى الْأَخْلَاقِ ...

قُلْت: يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، كَمَا قَرَّرْته غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا أَوَّلُ الْإِسْلَامِ؛ الَّذِي جَعَلَهُ هُوَ النِّهَايَةَ.

وَبَيَّنْت الْفَرْقَ بَيْنَ طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَطَرِيقِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين، لَكِنْ هُوَ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ الْعَارِفِينَ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الْمَحْضَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ )) .

هذا تقرير شيخ الإسلام المنصف لحال أبي حامد وقتئذٍ.

وللعلم فقد ذكر هذا أبو حامد قبل أن يؤوب أخيرًا إلى الحديث والعكوف على"الصحيحين"حتى مات وصحيح البخاري على صدره، حتى قال شيخ الإسلام في مواضع منها"بيان تلبيس الجهمية" (3/ 102 - 103) :

(( ... وأبو حامد من خيارهم ــــ أي الفلاسفة والمتكلمين ــــ وأعلمهم وأدينهم، وهو مع هذا يكفر الفلاسفة، فضلًا عن أن يضللهم تارة، وتارة يجعل ما كفّرهم به من العلم المضنون به على غير أهله.

ويضلل المتكلمين تارة، ويجعل طريقهم ليس فيها بيان للحق، وتارة يجعلها عمدته وأصله الذي يُضلل من خالفه.

وكذلك تارة يقول في الصوفية الأقوال المتناقضة؛ فتارة يجعلهم خاصة الأمة، ويفضلهم على الفقهاء، وتارة يمنع إعطاءهم الزكاة، أو يوجب عليه الاكتساب، مع إباحته إعطاء الزكاة للمتفقهة.

وإن كان في آخر عمره مال إلى طريقة أهل الحديث، وكان كثير المطالعة لـ"صحيح البخاري"، وبذلك ختم عمله، وعليه مات، وهو أفضل أحواله، والله تعالى يغفر لنا ولسائر إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا يجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم ... )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت