و لأمر مّا تواصى علماء السلف بالكف عما شجر بينهم وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم أو نقصا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم، وأقوالهم في التواصي بذلك لا تحصى، ويرون التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله؛ بل هو بدعة وضلالة.
قال الميموني، قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلا يذكر أحدًا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام.
وروى الخطيب في الكفاية بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة [1] » .
و في فتح الباري لابن حجر -و هو ممن يعتمدهم أبو البيض ويغلو في مدحهم- ما نصه:"اتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد وَقَدْ عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ" [2] .
قلت: هذا دستور أهل السنة من المسلمين لم يخالفه إلا الروافض والخوارج، وكأني بأبي البيض وقد سمع هذه الأقوال النيرة، تَعَكر دمه، وانتفخت أوداجه، وأفلت الزمام من يده فوقع في هؤلاء الأئمة ورماهم بالنصب وسوء الفهم، واندفع يملي عن ظهر قلب أحاديث المثالب التي كان يلقنها من هب ودب من مريديه من أنعام البشر فيثقون به، ويَلَغون في أعراض الصفوة من خلق الله، فيلعنون أبا سفيان، وابنه معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم ممن نسيت. مقتدين في ذلك بإمامهم الضال المضل وقد سمعوه مرارا يذكر: إذا رأيتم معاوية فوق منبري فاقتلوه، وسمع النبي معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان فقال: اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ودعّهما في النار دعّا، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي، قيل: فطلع معاوية، وحديث معاوية في تابوت مقفل عليه في النار، بنادي: يا حنان، يا منان، وقوله عن سمرة: آخركم موتا في النار، فكان سمرة.
(1) الكفاية 49.
(2) فتح الباري 13/ 34.