ثم قال -مالك-:
من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أصابته هذه الآية [1] .
و في فتح القدير للشوكاني من رواية عبد بن حميد ومن معه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسبوهم، ثم قرأت: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) [سورة الحشر] ) [2] .
و يكفينا من المرفوع مما ورد في مدح الصحب ووعيد من تنقصهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"وهو صحيح، وقوله عليه الصلاة والسلام"لعن الله من سبّ أصحابي"، وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع، وقد أفرد عدد من العلماء فضائل الصحابة بالتأليف، من أقدمهم الإمام أحمد، وكتابه (فضائل الصحابة) رائد في بابه وهو مطبوع، وقد استقرئ من صنيع أئمة السلف ما صيغ منه تعريف الصحابي بأنه من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد لُقيه واستمر على ذلك إلى أن مات.
و ذلك ليدخل في هذا التعريف: العميان والصبيان المميزون ممن لم يبلغ الحنث كالحسنين وابن عباس وابن الزبير وغيرهم من صغار الصحابة، ولكنْ أبو البيض لم يرض هذا وأشار إلى قيود وشروط في الصحبة حتى يتأتى له الطعن في عدد من الصحابة وإخراجهم من الإسلام عياذا بالله، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب السنة:"من السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم أجمعين، والكف عن الذي جرى بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو واحدًا منهم فهو مبتدع رافضي، فحبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة."
وقال: لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه؛ بل يعاقبه ثم يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وخلده في الحبس حتى يتوب ويراجع"."
(1) شرح السنة 1/ 229.
(2) فتح القدير 5/ 197.