(الإسلام بين الدعوة والدولة ص: 74) : (كتاب الإبريز لمحمد بن المبارك [1] ولعل قراءته تكون ترياقًا لسموم الفكر الغافل عن الله) . لعلك لم تقرأ ترجمة البخاري في (صحيحه) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سنة سيئة لقول الله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) . وفي صحيح مسلم من حديث جرير: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمِل بها من بعده من غير أن ينقُص من أوزارهم شيء) . وهذا الحكم منك على كتاب (الإبريز) . بلا شك كان بعد قراءتك له. وأظنك قرأت فيه بأن الدباغ تكفل لأتباعه أن لا يُسألوا وأن لا يحاسبوا يوم القيامة يقول أحمد بن المبارك: (شكوت له -يعني: لشيخه الدباغ- ذات يوم أمرًا نزل بي في ضرر في الدين والدنيا لا تؤمن غائلته. فقال لي:(أما في الدنيا فلا تخش منه أبدًا، وأما في الآخرة فأنا أتكفل لك على الله تعالى أنك لا تُسأل عن هذا الأمر ولا تحاسب عليه) [2] وسئل الدباغ: (لِمَ كان الناس يستغيثون بذكر الصالحين دون الله عز وجل، فترى الواحد إذا جهد في يمينه يقول: احلف بسيدي فلان ... وإذا قيل لهم توسلوا بالله واحلفوا به أو نحو ذلك لا يقع ذلك الكلام منهم موقعًا فما السبب في ذلك؟ فأجاب بأن:(أهل الديوان من أولياء الله فعلوا ذلك عمدًا لقوة الظلام في الذوات ... وأولياء الله تعالى يحبون الذكر يذكرون سيدهم وخالقهم سبحانه أن تكون ذواتهم طاهرة ... فلو توجهت الذات الظلمانية إليه تعالى بجميع عروقها وبكل جواهرها وسألته أمرًا ومنعها له ولم يطلعها على سر القدر -لأن الاطلاع عليه لا يكون إلا للأولياء- في المنع لربما وقع لها وسواس في وجود الحق، فتقع فيما هو أدهى وأمر ... فكان من المصلحة ما فعله أهل الديوان من ربط عقول الناس بعباد الله الصالحين، لأنه إذا وقع لهم وسواس في كونهم أولياء فإن ذلك لا يضرهم) [3] ويزعم الدباغ أن الأقطاب لهم اجتماعات وقرارات وتنظيمات وترتيبات وعليها يقوم نظام العالم فيقول: (الديوان يكون بغار حراء ... فيجلس الغوث خارج الغار، ومكة خلف كنفه الأيمن، والمدينة
(1) بل اسمه أحمد بن المبارك السجلماسي اللمطي، ولد بسجلماسة حوالي سنة (1090هـ) . وانتقل إلى فاس (1110هـ) . تفقه حتى صرح لنفسه بالاجتهاد المطلق، توفي سنة (1155هـ) . له عدد من المصنفات منها: (الإبريز) ، جميع فيه كلام شيخه عبد العزيز الدباغ. و (رد التشديد في مسألة التقليد) . انظر: (شجرة النور) (ص:352/ الترجمة: 405) . و (الأعلام) (1/ 201) . و (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي) (1/ 58) . والدباغ يزعم أنه أحاط بالشريعة كلها فيقول: (ولا يحيط بالشريعة إلا النبي صلى الله عليه وسلم، والكُمَّل من ورثته كالأغواث في كل زمان) . (الإبريز) (ص: 217) .
(2) انظر: (الإبريز) (338) . و (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي) (1/ 123) .
(3) انظر: (الإبريز) (ص:163/ 164) . و (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي) (1/ 124/125) .