واعلم أنَّ لفظ: لا بأس، يفيدُ في الغالبِ أن تركَهُ أفضل، وينبغي أن يكون هاهنا كذلك؛ فإنَّ فعلَ العبادةِ لأمرٍ فيه شبهةُ عدمِ إخلاصِها له تعالى لا شكَّ أنَّ تركَهُ أفضل.
ولو أطال تقرُّبًا إلى الله خاصة من غيرِ أن يتخالجَ في قلبهِ سوى التَّقرُّب، ولا الإعانةُ على الطَّاعةِ فلا بأسَ به حينئذٍ، وعلى ما فسَّرنا يكون: لا بأسَ، بمعنى الأفضل، لا بالمعنى الغالب.
ويمكنُ أن يرادَ بالإطالةِ تقرُّبًا أن ينويَ الإعانةَ على إدراكِ الجائي طاعةً الله، وحينئذٍ فلفظ: لا بأس، بالمعنى الغالب. انتهى ملخصًا (1) .
وفي (( الذَّخيرة ) ): لو كان الإمامُ في الرُّكوعِ يسمعُ خفقَ النِّعالِ هل ينتظرُ أم لا؟
قال أبو يوسف: سألتُ أبا حنيفةَ وابن أبي ليلى (2) فكرهاه.
وقال بعضُهم: يطوِّلُ التَّسبيحاتِ ولا يزيدُ عددها.
وقال أبو القاسمِ الصَّفَّار (3) : إن كان الجائي غنيًَّا لا يجوزُ له الانتظار، وإن كان فقيرًا جازَ له ذلك.
وقال أبو الليث: إن كان الإمامُ عرفَ الجائي لا ينتظر، وإلاَّ فلا بأسَ به.
وقال بعضُهم: إن أطالَ الرُّكوعَ لإدراكِ الجائي خاصّة، فهذا مكروه؛ لأنَّ أوَّلَ ركوعِهِ كان لله (4) تعالى، وآخرُ ركوعِهِ للقوم، فقد أشركَ في صلاتِهِ غيرَهُ تعالى، وكان أمرًا عظيمًا، ولا يكفر، وعلى هذا ما روي عن أبي حنيفة.
(1) من (( غنية المستملي شرح منية المصلي ) ) (317 - 318) .
(2) وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن، قال محمد بن يونس: كان أفقه أهل الدنيا، تولى القضاء بالكوفة وأقام حاكمًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وكان فقيهًا مفتيًا. (ت 148 هـ) . ينظر: (( العبر ) ) (1: 211) ، و (( مرآة الجنان ) ) (1: 306) .
(3) وهو أحمد بن عصمة الصَّفَّار البَلْخيّ، أبو القاسم، الملقب: حَم؛ بفتح الحاء، قال الكفوي: كان إمامًا كبيرًا إليه الرحلة ببلخ، (ت 26/ 336 هـ) . ينظر: (( الجواهر ) ) (1: 200 - 201) ، و (( الفوائد ) ) (ص 50) .
(4) في الأصل: الله.