فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 194

علينا بادئ ذي بدء التخلص من فرضية نجدها سائدة في حنايا العقل العربي قديمة وحديثة ألا وهي فرضية الحقيقة المطلوبة في مقابل النسبية وحركية الحياة والتاريخ، فمن الملحوظ أن المثقف العربي على اختلاف مواقعه الايدلوجية والمعرفية والاجتماعية، يشكل البحث عن الحق والمطلق ثابت الثوابت في تنظيره وخطابه سواء كان ذلك بشكل واع أو غير واع. ولأجل ذلك، كما أرى، فإن حياتنا الثقافية والعقلية وإن كان ظاهريًا تتصف بالتعددية إلا أنها هيكليًا ليست ألا انبثاق لعقلية واحدة ونظرة أحادية واحدة للكون والمجتمع، ولأجل ذلك عجزت النهضة العربية المعاصرة عن تحقيق النهضة وعجزة الثورة عن تحقيق الثورة وعجزة الأصالة عن تحقيق الأصالة وكذلك الحداثة عجزة عن تحقيق الحداثة.

إن المطلوب إذن هو عقل نقدي وهذا لا يكون إلا بإلغاء محددات العقل الدوغماتي من حياتنا، ولا يكون ذلك إلا باعتناق النسبية وديمومة الحركة، وكل ذلك لا يكون إلا بنوع من الثورة المفاهيمية في الحياة العقلية العربية. ثورة مفاهيمية شبيهة بتلك الثورة التي استهلها عصر النهضة الأوروبية حيث كان الانقلاب الجذري في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى مجتمعه والى الكون من حوله. بمعنى آخر، فنحن بحاجة إلى نوع من النظرة النقدية التي تعيد موضعة الإنسان بالنسبة إلى نفسه (مفهومه عن نفسه) وبالنسبة إلى مجتمعه، وبالنسبة إلى الكون الذي يعيش فيه. وعندما نقول نظرة نقدية أو عقل نقدي فإن البعض قد يعتقد أن ما نقوله هنا ليس إلا جزءًا من موقف القبول المطلق بالغرب ومفاهيم الغرب والذي انتقدناه بدءًا وإن ذلك سوف يؤدي إلى انقطاع كامل وجذري مع التراث والتاريخ الخاص بنا كأمة وجماعة. نرد هنا فنقول إن المسألة ليست كذلك، فالنظرة النقدية أو العقل النقدي يقف دائما موقف (( المرتاب ) )أو الشاك تجاه ما يأتيه من هنا أو هناك، من أعماق التاريخ أو من مجاهل الجغرافيا فيصيغ كل ما يأتيه وفق ما تقتضيه حركة التاريخ والمجتمع غير ناسف في ذلك عمومية المفهوم أو خصوصية المجتمع الذي يعمل فيه. إن القبول المطلق أو الرفض المطلق أو التلفيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت