(لأجل ذلك، فإن المفاهيم والتصورات والقيم الماضوية(التراث) تبقى حاملة لمضمونها السابق في الأنساق السابقة وذلك لانعدام النسق الجديد ومن ثم تفقد فاعليتها لأنها تنتمي إلى زمان غير الزمان ومكان يختلف عن المكان. ومهما حاولنا تحديث هذه المفاهيم والتصورات والقيم باعطائها مضامين جديدة عن طريق التوفيق وإعادة التفسير والتأويل فإن ذلك لا يجد إذا كان النسق العام للأشياء (ومنه النسق الابستمولوجي والثقافي عامة) وبنية العقل ذاتها ثابتة لا تتغير وهذا النسق لا يكون إلا بالإنطلاق من حيث انتهى الآخرون (وفق ما تقضي به التجارب النهوضية الناجحة) سواء كان هؤلاء الآخرون هم"الآخر"الغربي أو التراث ذاته وليس الفرق في كل ذلك. بمعنى آخر، إن المطلوب هو سيطرة الحاضر على الماضي وليس سيطرة الماضي على الحاضر) [1] .
ثم ختم تركي دراسته بقوله: (من أجل الاندماج في العصر الحديث، ومن أجل أن يكون للعرب دورٌ في هذا العالم وإيجابية معينة لابد أن تكون البداية على مستوى الثقافة، مستوى العقل، مستوى الخطاب، قبل أي شيء آخر وذلك من خلال نسق جديد للمعرفة يستوعب الحديث ولا يرفض القديم ولكنه لايغرق فيه أو يسجن نفسه فيه في ذات الوقت. كيف يكون هذا النسق وكيف تكون محدداته وبُناه مسألة لا أجيب عنها وحدي ولا أستطيع الإجابة وليس لي حق الإجابة وحدي إنها مسألة مطروحة ومتروكة لكل قطاعات الانتلجنسيا [2] العربية كي تقدم رؤاها ورؤياها وفق إحساس بالمسؤولية معين ووفق نظرة منفتحة متفتحة ليست أسيرة أي نوع من أنواع الدوغما والثقافة المدرسية [3] وذات منهج متوازن يوائم ما بين الأمل والألم، الحلم الواقع، وهذه هي خصائص الانتلجنسيا الجديدة التي على عاتقها يقع الجزء الأكبر من مسؤولية بناء ثقافة عربية جديدة فهل توجد مثل هذه الانتلجنسيا؟ وهل ستوجد مثل
(1) الثقافة العربية (ص 82 - 83) .
(2) معناه: الفئة المثقفة (المغني الوجيز) للأسعد (92) .