الصفحة 77 من 127

وحكمُهُ الأصليُّ: الانزجارُ عمَّا يتعزَّرُ به العباد، وصيانةُ دارُ الإسلامِ عن الفساد؛ ولهذا كان حقًَّا لله؛ لأنه شرعَ لمصلحةٍ تعودُ إلى كافةِ النَّاس، والطُّهرةُ من الذُّنوبِ ليست بحكمٍ أصليٍّ لإقامةَ الحدّ؛ لأنها تحصلُ بالتَّوبةِ لا بإقامةِ الحدّ، ولهذا يقامُ الحدُّ على الكافر، ولا طهرةَ له. انتهى (1) .

وقال صاحبُ (( الهداية ) )في (( مختاراتِ النَّوازل ) ): هو في الشَّريعةِ اسمٌ لعقوبةٍ مقدَّرةٍ تجبُ حقًَّا، حتى لا يُسمَّى القصاصُ حدًّا؛ لأنه حقُّ العبد، ولا التَّعزيرُ لعدمِ التَّقدير. انتهى.

فقولُهم: لا حدَّ عليه، أو يسقطُ الحدُّ ليس معناهُ إلا سقوطَ العقوبةِ المقدَّرةِ وعدمِ وجوبها، ولا يلزمُ من عدمِ وجوبِ التَّعزيرِ ومطلقِ العقوبة، حتى يثبتَ منه عدم كونِهِ ذنبًا.

ونظيرُهُ قول ابن عبَّاس: ليس على مَن أتى البهيمةَ حدّ (2) .

أخرجَهُ أبو داود، والتِّرمذيّ، والنِّسائيّ، والحاكم، وأحمد، وسندُهُ قويّ. كما حقَّقَهُ ابن حجرَ في (( تلخيصِ الحبير ) ) (3) و (( تخريجِ أحاديثِ الهداية ) ) (4) فإنَّ المرادَ بالحدِّ في هذا القولِ ليس إلاَّ العقوبةَ المقدَّرةَ شرعًا لا مطلقَ العقوبة، وإلاَّ لزمَ أن يكونَ وطء البهيمةِ حلالًا، ولا قائلَ به.

ونظيرُهُ أنَّ مَن سئلَ عن مَن شربَ الدَّمَ والبول، وعن مَن شربَ الخمر، يفتى بوجوبِ الحدِّ في الأخير، وعدمُ وجوبِهِ في الأوَّلِ فليس مرادُهُ أنَّ مطلقَ العقوبةِ ساقطٌ عن شاربِ الدَّمِ والبولِ وأن شربَهما مباح.

ولهذا الذي ذكرنَا شواهدَ كثيرة من الأحاديث، فمن ذلك:

(1) من (( تبيين الحقائق شرح كنْز الدقائق ) ) (3: 163) .

(2) في (( سنن أبي داود ) ) (4: 159) ، و (( جامع الترمذي ) ) (4: 56) ، و (( المستدرك ) ) (4: 396) ، و (( مصنف ابن أبي شيبة ) ) (5: 513) ،

(3) تلخيص الحبير )) (4: 55) .

(4) الدراية في تخريج أحاديث الهداية )) (2: 104) ، وينظر: (( نصب الراية ) ) (3: 342) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت