هذا المعنى الذي يشير إليه محمد رشيد رضا في تفسير المنار يشغب على كثير من العاملين في المشروع الإسلامي. إذ أنهم يعتقدون أن العلم هو قراءة الفقه وأصوله ومدارسة التفسير، ثم الإعراض عن كل العلوم الأخرى وعن النظر في الكون، وعن التدبر في التاريخ والتجارب الإنسانية، وكل ذلك بحجة قولهم"حسبنا كتاب الله وسنة رسوله" (1) وما دروا أن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرانا بالنظر. وانظر إلى قوله: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (2) .
ولقد أشار جودت سعيد في كتابه"حتى يغيروا ما بأنفسهم"إلى هذا الصنف من الناس. فيقول:".. والمصدر الأساسي للعطالة العقلية هي العقيدة العبثية في الكون. اعتقاد العبث واللعب في الوجود. يقول تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (3) ، ويقول: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا} (4) . إن العقيدة العبثية في الكون هي عدم رؤية النظام، وعدم رؤية السنن وعلاقة الطاقة المفكرة الإنسانية بسنن الكون. هذا هو ظن العبثية في الوجود .. هذه الآفة ولدت بعد ذلك أجنتها التي نمت وترعرعت وصار لها أحفاد وذرية. إذ ما دام الأمر يسير على غير سنن نتبعها فلا جدوى من إعمال الفكر لكشف حل أو تغيير الواقع. والقرآن الكريم يطلب منا علمًا خارج القرآن، وذلك بالسير والنظر في الأرض إلى آيات الله المودعة في الآفاق والأنفس. فآيات الآفاق والأنفس في القرآن، ولكن"
(1) تناولنا هذه المقولة بالشرح والتحليل في الفصل التمهيدي من كتاب"النهضة .. من الصحوة إلى اليقظة"للمؤلف نفسه.
(2) سورة آل عمران: 137
(3) سورة الأنبياء: 16
(4) سورة المؤمنون: 115