كانت دولة الروم دولة نصرانية تدعي متابعتها للإنجيل، فهم أهل كتاب، وكان الفرس وثنيين يعبدون النار، وكانت فارس حينئذ قاهرين للروم، وقد بلغت دولة الروم من الضعف حدًا يكفي من دلائله أنها غزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها، عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: (( في أدنى الأرض ) )، وكان المشركون من أهل قريش يحبون ظهور فارس على الروم لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على الفرس ولما نزلت هذه الآيات كذب المشركون بهذا الوعد الإلهي بنصر الروم في بضع سنين وتراهنوا على تكذيبه، فلم يكن أحد يظن أن تقوم للروم قائمة بعد الغزو الذي حصل لها في عقر دارها من قِبل الفرس، ولكن الله لا يخلف وعده، فتحقق النصر للروم على الفرس بعد بضع سنوات من تلك الحادثة، وتحققت النبوءة القرآنية بتحقق نصرين في يوم واحد، نصر الروم على الفرس، ونصر المؤمنين على المشركين يوم بدر طبقًا لما جاء في قوله تعالى: (( وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ،بنصر الله ) )
-ومن هذه الأخبار الغيبية التي وقعت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم: قوله تعالى: (( تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالة الحطب ، في جيدها حبل من مسد ) ) [المسد: 1 - 5] .
نزلت هذه السورة في شأن أبي لهب الذي كان يعلن عداوته الشديدة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان كثير الإيذاء للنبي، نزلت السورة وهو على قيد الحياة ويتمتع بكامل قواه.
ألم يكن بإمكانه بعد نزول هذه السورة أن يتظاهر بإعلان إسلامه من أجل أن يظهر أن النبي كاذب، أو أن القرآن الذي جاء به غير صادق؟
ولكن الأمر بيد الخالق المالك المدبر لكل شيء سبحانه وتعالى إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون.
(( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) [الروم:6] .