ثم نزلت إلي المهجع، وقال لي الحرس: ضب غراضك، وبعد ساعتين نادوا باسمي وأصعدوني مرة أخري، حيث بصمت علي مجموعة أوراق لا أدري ما هي، ورمي إلي مدير السجن جواز سفري وهوية زوجتي وحوالي 150 ليرة، وصرخ بالحراس بغيظ وكأنه قد انقطع رزقه بخروجي: ارموه بالتشميسة، ثم وصلت السيارة التي ستقلني إلي الجوازات، وجاء السجان أحمد بوجه يختلف عن الذي عرفته به خلال الأشهر الماضية قائلًا بلطف:
شو هلال ... ما بدك تعطينا شي؟!
فأجبته ما بقي عندي شيء
فتفحصني إلي أخمص قدمي وقال بوقاحة منقطعة النظير: طيب هات هالساعة من إيدك لشوف! فتمنعت عنه، ولم يغادرني حتى جاء أحد المحققين ليبلغني الرسالة الأخيرة، فأعلن لي بصوت مرتفع وبكل ثقة:
إزا فتحت تمك منعرف شلون نجيبك مرة تانية!!!
ثم غادرت السيارة إلي قسم الهجرة والجوازات، حيث أدخلت مقيدًا إلي غرفة العميد وكان القنصل البريطاني وبعض أعضاء السفارة حاضرين، فسألتهم بحرقة: لماذا تأخرتم طوال هذا الوقت؟ فقال لي القنصل: كنا نبحث عنك ونسأل السلطات السورية، ولكنهم كانوا ينفون وجودك عندهم وأخرج لي ملفًا كبيرًا فيه مراسلات تثبت بأنهم كانوا مجتهدين في البحث عني، ثم طمأنني بأن زوجتي وأولادي قد غادروا إلي لندن.
لم أكن أعرف أن منظري كان مرعبًا، ولم أدرك مقدار التغير الذي حل بي إلا عندما رأتني والدة زوجتي فسقطت مغشيًا عليها في الشارع أمام الناس.
ولا بد أن أعترف بأنني لم أشعر بالأمان إلا عندما غادرت الطائرة مطار دمشق، وكان يتجاذبني حزن وفرح؛ أما الفرح فكان للقاء أطفالي الذين لم أرهم منذ حوالي سنة، وأما الحزن فكان للذين ذرفوا الدموع المحرقة عندما ودعوني في المهجع، فقد أمضينا أشهرًا طويلة في السجن، ولم يكن أحد منا يعرف ما هي تهمته وما هو مصيره. وكان آخر ما أوصوني به وأنا خارج من الزنزانة: أن أبلغ العالم بمعاناتهم وأستصرخ أصحاب الضمائر الحية ليعملوا علي رفع البلاء عن هؤلاء المظلومين.
ألا هل بلغت؟