فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 711

سجين في فرع فلسطين، فيعمد مدير السجن الي تسجيل البضائع بأسعار مضاعفة ويأخذ الفرق علي حساب المعتقلين.

أما السجانون فكانوا يرغموننا علي شراء ما يحتاجونه هم، وعند تسليم البضائع كان السجانون يتجمعون علي باب الزنزانة ويتخاطفون ما يريدونه والويل لمن يعترض عليهم من المساجين، وأذكر أنني اشتريت علبتين من جبنة البقرة الضاحكة ولم يصلني منها عند التسليم سوي ثلاث مثلثات من العلبة الثانية! بل إن السجانين كانوا يشربون الشاي ويستخدمون السكر والصابون الذي نشتريه ويقولون لنا: إزا جعتوا أنتو نحنا منجوع.

أما المحنة التي مرت بها أسرتي فهي خير مثال لما يتعرض له أهالي آلاف المعتقلين في سورية، فقد استطاع أحد السجانين أن يتعرف علي عنوان أهلي في حماة، فكان يذهب إليهم بنفسه ويدعي بأنني طلبت منه أن يحضر إلي بعض الأموال، واستطاع بهذه الطريقة أن يسرق منهم أكثر من مائة ألف ليرة سورية حتي اضطرت زوجتي لبيع حليها، وأخذ منهم كميات كبيرة من الأجبان والزيتون والمرتديلا والأدوية والملابس، وكان كلما تأخر عليه أقاربي في الدفع يلفق الأكاذيب عن حالتي في السجن ليستدر عطفهم ويحثهم علي بذل المزيد، ولم يكن يخجل من زيارتهم وهو يرتدي الملابس التي أرسلوها لي في زيارته السابقة لهم، ولما علموا بفساد نيته وسرقته انقطعوا عنه، فجاء إلي واعترف لي ببعض ما فعل فغضبت لذلك وصرخت، ولكن لم يكن لي حيلة وأنا خلف القضبان، أما سبب اعترافه فهو رغبته في تاوني معه لأخذ المزيد، فقد أعطاني ورقة وقلمًا وطلب إلي أن أكتب رسالة لزوجتي حتي تتأكد أنه مرسل من قبلي، ولما امتنعت أخذ يخبرني أخبارًا سيئة عن زوجتي وأولادي. وعندما فقد الأمل من الاستمرار في لعبته انتقم لكرامته المهدورة عن طريق إخبار زوجتي بأنني قد قتلت تحت التعذيب فخرت مغشيًا عليها وقضت في المستشفي عدة أيام.

ولكن التجارة الحقيقية كان يمارسها رجال أكبر من السجان، فقد عرض بعضهم علي والد زوجتي الإفراج عني لقاء مبلغ مليوني ليرة سورية، فاجتهد في جمع المبلغ، ولكنه انتقل إلي رحمة الله بعد أن أصابته سكتة قلبية من شدة الحزن، وكان ضعيف الجسم لا يقوي علي مواجهة الضغوط التي كانت تمارس عليه. وللقارئ الكريم أن يتصور حالة أسرة واحدة من آلاف الأسر نكبتها أجهزة الأمن السورية؛ فالزوجة في المستشفي ووالدها في القبر وزوجها في السجن وأولادها يبكون في الليل والنهار لا يعرفون سبب ما حل بهم من بلاء، ومع ذلك فالعصابات الأمنية تبتزهم إلي آخر لحظة، وكل واحد منهم يطلب نصيبه من الغنيمة دون أن تعرف الشفقة والرحمة سبيلًا إلي قلوب هؤلاء. أما في المهجع فقد كان علينا تحمل نفقات سفر المساجين الذين أفرج عنهم فكان المساعد أول أحمد يطلب منا أن نتبرع بثمن توصيل زميلنا إلي منزله، فيجمع المدير عشرة أضعاف ثمن التوصيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت