وبالرغم من حزننا عليه فلم نجد أي شعور بالشفقة أو الذنب عند هؤلاء الجلادين الذين كانوا يقولون لنا بعد ذلك والله غير تموتوا كلكم هون متل هالكلب.
هذه هي الحالة التي كنا عليها طوال الأشهر الخمسة التي قضيتها في المهجع؛ كنا نزدحم مثل قطيع من الأغنام في زنزانة لا تتسع لنصفنا نتبادل الأدوار في النوم فيقف بعضنا وينام الآخرون، وفي فصل الصيف كان يتطوع بعضنا للقيام بعملية التهوية بملابسهم القذرة، وكان الجلادون يأتون بين الفينة والأخري وينادون باسم الضحية فيتقدم من بيننا خائفًا مرتعشًا، ولا نلبث أن نسمع صياحه وأنينه من غرفة التعذيب، ومن سوء حظنا أن فتحة تهوية المهجع كانت تطل علي غرفة التعذيب فكنا من خلالها نتمكن من معرفة ما يقع علي إخواننا من البلاء.
· صور من التعذيب
ثم ينتقل هلال للحديث عن التعذيب في فرع فلسطين، وما يسببه ذلك له من كوابيس مفزعة، فقد كان الجلد بأسلاك الكهرباء الرباعية (الكيبلات) أمرًا اعتياديًا، ولم ينج منه أحد قط، ولكن أصحاب التهم الخطيرة كانوا يتعرضون لنوع آخر من التعذيب أبرزها الكرسي الألماني الذي يثبت عليه السجين ثم يرجع به إلي الخلف حتي يصبح رأسه قريبًا من رجليه فيفقد وعيه من شدة الألم، وكثيرًا ما أصيب المساجين من جراء ذلك بآلام مزمنة في الظهر، وعندما يعود إلينا زملاؤنا في المهجع بعد جلوسهم علي هذا الكرسي كنا نمددهم علي الأرض وندلك ظهورهم، ويبقون متمددين علي حالهم أيامًا طويلة بسبب عجزهم عن الوقوف أو المشي.
وكان الجلادون يستخدمون الدولاب فيخرجون رأس السجين مع يديه ورجليه ويبقي في الطرف الآخر ظهره ومؤخرته ويضرب بعد ذلك بالعصي حتي يعترف علي نفسه بكل ما يملي عليه.
وكثيرًا ما كان يشتكي زملاؤنا في المهجع من تعليقهم مثل الخراف وتعريتهم وضربهم علي جميع أنحاء الجسد، ولم يكن الضرب أشد إيلامًا من تحمل الرسغ لسائر ثقل الجسم، فيعود السجين إلي زنزانته وهو غير قادر علي تحريك يديه وقد يستمر علي هذه الحالة لبضعة أيام.
كنا نعرف طريقة التعذيب من تتابع صياح الضحية، ثم ينزل المسكين ويحكي لنا ما فعل به الجلادون، وكثيرًا ما كانوا يأخذون المعتقل ويبقونه واقفًا طول النهار وهو مقيد ومغمض العينين خارج غرفة التحقيق، ثم يخرج المحقق ويقول له: انزل ولك كلب، بكرة منشوف شغلنا معك فينزل مرة أخري تحت ضرب الجلادين وركلهم حتي يدخل الزنزانة.
· مهجع النساء