فقال لي بأنني لست الشخص المطلوب، ولكنني سأبقي عندهم الليلة لاستكمال التحقيق، فذكرته بأن لدي أطفالًا وأقارب وهم قلقون علي ولا يعرفون مكان وجودي الآن، فلم يزد أن قال: اتفضل وبكرة منشوف شو بيصير
وفي حركة سريعة اقتادني الحراس خارج الغرفة وقيدوا يدي وأخذوني إلي سجن الفرع حيث استقبلني سجان مرعب اسمه عمران، وكان صوته غاية في الخشونة فصرخ في وجهي بقصد التخويف: حقير ... وقف منيح ولا، ثم جرني إلي الزنزانة المنفردة رقم (4) ، وأقفل من خلفي الباب.
تلفت حولي فإذا هي زنزانة ضيقة في غاية القذارة وفيها مرحاض تنبعث منه روائح كريهة، فجلست علي الأرض وقد أسقط في يدي وعدت أسترجع الساعات الأخيرة التي مرت علي كأنها كابوس مزعج وكلي أمل أن تنتهي في الصباح.
كانت هذه هي المرة الأولي التي أسجن فيها، فقد أمضيت اغلب حياتي في الملاعب وفي طريق الاحتراف، بل إنني لم أذهب مرة واحدة إلي مركز شرطة ولم يكن لدي أي سبب لمخالفة القانون أو ارتكاب الجرائم، فقد كنت ميسور الحال وعندي أربعة أطفال أرغب في تربيتهم أحسن تربية، وأخذت الهواجس تنتابني حتى غلبني النوم فافترشت الأرض والتحفت بطانية قذرة ونمت حتي الصباح. في صباح يوم الاثنين 2000/ 7/24، ابتدأ مسلسل الرعب الذي استمر دون توقف لمدة 11 شهرًا فقد استيقظت علي أصوات مختلطة من الضرب والشتائم والأنين والاستغاثة، وعلمت بأنها أول نوبات التعذيب الوحشي الذي كان يتعرض له المعتقلون داخل الفرع. كان السجانون يأتون في الصباح الباكر ويفتحون أبواب الزنازين بعنف ويخرجون ضحاياهم مقيدين ومغمضي العيون ثم يسوقونهم كالخراف وأنا أنظر إليهم، وقد ارتعدت مفاصلي من شدة الرعب، ثم يبدأ الجلد بالأسلاك الكهربائية (الكيبلات) علي ظهورهم وسائر أنحاء الجسد دون تمييز، ويرتفع صوت الجلادين وهم يكررون نفس الأسئلة: مين بتعرف؟، شو علاقتك بفلان؟، إيمتي شفته؟. وأخذت أفكر كيف كان اعتقالي مثل اعتقال الكثير من هؤلاء؛ بناء علي دليل الهاتف الذي عثروا عليه عند قريب زوجتي فاتصلوا بي وأحضروني إلي الفرع، هذه الطريقة الجائرة نفسها هي التي أودت بحياة كثير من الأبرياء وغيبتهم لسنوات طويلة في غياهب السجون لا لجرم إلا أنهم وجدت أسماؤهم وأرقام هواتفهم مكتوبة في دليل أحد المشبوهين.
كنت أنتظر أن يأتي الجلادون ويأخذونني إلي التعذيب في أي لحظة، وبالفعل جاء أحدهم فأخرجني من الزنزانة و طمش عيني وقيدني وجرني إلي غرفة التحقيق حيث دخل أحد المحققين وأمر بفك القيد عني وأعطاني ورقة وقلمًا لأكتب قصة حياتي كاملة! وعندما كتبت له قصة حياتي تناول