فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 711

وسمعت أحد العناصر المرافقين يسأل زميله عن ساعة الوصول، فردّ عليه قائلًا: بعد عشرة دقائق، ها نحن نستعد للوصول هذه محطتنا الأخيرة، قلتها في سريرتي التي تناجي أمي، فإذا بأحدهم يزمجر بصوت عال:

هذه تدمر، وما أدراك ما تدمر الداخل مفقود والخارج مولود وهذا اليوم مشهود.

وصلنا وأوقفت الحافلات محركاتها المزمجرة وتوقفت معها عجلة الزمن، كثرت الأصوات من حولنا، وفكّوا قيودنا، وفتحت عيني ونظرت من حولي إلى المكان، فإذا بشمس آذار الدافئة يفوح منها عبق الصحراء. وفي الطرف الآخر قريبًا من بوابة صغيرة عدد لا بأس به من عناصر الشرطة العسكرية قد يتجاوز الأربعين شرطيًا مقسمين إلى مجموعات، يحملون العصيّ والكابلات الفولاذية وقضبان معدنية يتراوح قطرها (2 انش) .

صدرت إلينا الأوامر بالنزول من الحافلات والاصطفاف رتلًا خماسيًا - هذا حالنا نفعل ذلك كلما انتقلنا من مركز اعتقال لآخر - لاحظت شخصًا في الأربعينات من عمره يرتدي بزة عسكريه يرتديها عادة الضباط وضباط الصف، تقدم نحونا برفقة عدد من الجنود وبيده سيجارة تبغ من النوع الفاخر، ضخم الجثة أسمر اللون صوته أبح أشار بإصبعه لأحد مرافقيه:"عدّهم"، وبدأ بالعد وانتهى: سِيْدِيْ عددهم (96) ، فرد عليه قائلًا: هذا جيد باشروا بأخذ الإجراء اللازم - لكن لم ألاحظ أي رتبة عسكرية على كتف أحد منهم- واقترب إلينا شاب وبرفقته عدد من الجنود أيضًا وباشر بإعطاء الأوامر لنا بالتحرك خلفه دون أي فعل مخالف للأوامر الصادرة منه، وبدأنا بالمسير إلى أن وصلنا بوابة متوسطة الحجم ودخلنا إلى باحة ليست كبيرة والجنود الذين يحملون العصي وغيرها هم أيضًا برفقتنا، وضعونا في زاوية وطلبوا منا الجلوس على الأرض دون أي حركة أو التفاتة أو النظر إليهم حتى، أعطوا كل واحد منا رقمًا دون ذكر اسمه، وبدأنا بالدخول كل فردٍ منا على حدة إلى غرفة صغيرة فيها بعض الرفوف المعدنية والأوراق والمصنفات ومدفئة، تسيل منها مادة المازوت على الأرض، وطاولة معدنية فوقها لوحة خشبية مكتوبًا عليها قلم الموقع، وعسكري يجلس خلفها شعره أشيب يوجه بعض الأسئلة كنوع التهمة، وعندما ينتهي من الأسئلة ينادي على أحدهم"بلدية .. خذْ هَالكلب"- ويعرف"البلدية"بأنه شخص بلا أخلاق، كان يخدم في الجيش متطوعًا أو مجندًا، وفرّ منه لعدة مرات أو قام بجريمة قتل أو اغتصاب وحُكم عليه حكمًا قاسيًا - وهذا يتم اختيار للخدمة في السجن السياسي، إذ يتمتع بصلاحيات واسعة فيما يخص التعذيب ومساعدة الشرطة في ذلك.

يمسك بنا من شعر الرأس، ثم يمضي مسرعًا باتجاه باب صغير مثبت على جدار عال وطويل ويدفعنا بقوة لداخله، وعندما ندخل من هذا الباب إلى باحة كبيرة مريعة الشكل تحيط بها غرف كبيرة ذات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت