فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 711

أحيانًا، فتتسلط الكبلات والسياط في هذه الحالة أكثر ما تتسلط على الظهر والصدر والرأس، وتعمل ملاقط الكهرباء عملها في الوقت نفسه. لكن أسوأ ما يصيب الضحية وهو في هذه الحالة أثر القيد الحديدي الذي يشد على الرسغ ويحتك مع العظم بلا رحمة أو توقف. حتى التهبت يداي وتورمتا من جراء انغراس الحديد القاسي في اللحم واحتكاكه المباشر بالعظم الذي انكشف وتعرى. وظلت آثار القيد كالوشم على رسغي إلى اليوم! وطوال خمسة أشهر تالية بقيت لا أحس براحَتَي يدي البتة ولا أقدر أن أحمل بهما أي شيء وكأنهما أصيبتا بالتنميل أو الخَدَر المزمن. وحكى لي طبيب التقيته في تدمر لاحقًا أن الأوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير، وأنها تحتاج إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد.

بساط الريح

أما الحالة الأخرى من التعذيب فكانت على"بساط الريح". وهو لوح من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسيور جلدية، ثم يرفعون نصفه الأسفل الذي ارتصت عليه الساقان ولم تعودا تملكان أي فرصة للتحرك. وتبدأ الكبلات ذات النصال المعدنية تهوي على بطن الرجلين تنهشهما بلا شفقة، وتترك مع كل لسعة لها أجزاء من نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة، فإذا انتهى الضرب بقيت هذه النصال مع الدم المتجمد والجروح المفتوحة فتلتهب وتتعفن، فيتضاعف الألم وتشتد الأوجاع والمعاناة. وأما الشتائم والكفر بالله فلم تكن تتوقف مع كل أنواع التعذيب. ولم أكن أنجو من هذه الحفلات الدامية إلا عندما يغمى علي، لأستيقظ وأنا في الزنزانة عاري البدن ممزق الأوصال مبللًا أرتجف من شدة البرد. ولا أكاد ألتقط أنفاسي وألملم بقايا جَلَدي حتى يحين موعد التعذيب مرة أخرى، وتعود الكَبْلات تنهش لحمي من جديد، وتنقض ملاقط الحديد على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء.

ولأنهم كانوا يعرفون أن العورة لدينا أمر كبير فقد كانوا يتعمدون إهانتنا بالعبث بسوآتنا بطرف الكبل والعصي أثناء التعذيب، أو الإطباق بملاقط الكهرباء على المحاشم وإطلاق صعقات الكهرباء فيها، وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العذاب علي، ويبدو أن ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود.

دموع التماسيح!

وفي مرة من المرات وبعد أن مضى علي في العذاب عدة أيام أخرجوني كالعادة وعروني وعلقوني، فوجدتني من قبل أن يبدأ الضرب أحس وكأنني فقدت الهواء في رئتي وما عدت قادرًا على جذب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت