بالله تزلزل السماوات والأرضين. ولم ألبث أن وجدتني وقد فاق الألم قدرتي على الإحتمال وحتى على الصياح أغيب عن الوعي تمامًا، لأصحو لا أدري متى فأجدني في زنزانة منفردة ينهش الألم أطرافي وتشتعل الأوجاع نيرانًا في كل ثنية من ثنيات بدني.
أرقام وحسب!
كانت الزنزانة أشبه ما تكون بقبر مقفل: الجدران متقاربة لا أستطيع أن أتمدد بينها، والرهبة مطبقة، وليس ثمة شيء تحتي إلا الإسمنت البارد، والسقف شاهق فوقي تتوسطه شراقة للتهوية (نافذة متشابكة القضبان) يتسلل منها ضوء خافت يزيد المشهد كآبة ووحشة. وسرعان ما تدهم السكون صيحات استغاثة سجين آخر ينال العذاب في الطابق الأعلى، وتخترق صرخاته الجدران الصم وأبواب الحديد، فتنتفض من هولها كل ذرة في بدني وتستعر فيّ كل الجروح والكدمات.
ومضى الوقت بطيئًا ثقيل الوطء فكأنه الرحى تدور على جسدي المنهك، لكنني سرعان ما فقدت معنى الزمن بعد هنيهة، واختلطت علي معالم الليل والنهار. فلا ساعة معي تدلني على الوقت .. ولا صوت أحد أو همسة حي تنبي بما يجري .. والضوء الخافت لا يتغير ولا يتبدل. وعندما تذكرت الصلاة كانت وسيلتي الوحيدة لأدائها الإيماء. وعلى ذلك مضت السنون التالية علي، لا أكاد أعرف الصلاة إلا بالإيماء وحسب!
وفتح الباب فجأة، وتلقيت من غير مقدمات واحدة من أقذر المسبات قذفني السجان بها وهو يلقي إلي بنصف رغيف متيبس مرت عليه رائحة الحلاوة أو المربى في يوم من الأيام! ولم ألبث أن اعتدت سماع مثل ما سمعت مع كل فتحة باب أو نداء للتحقيق أو خروج إلى الحمام. وكان خروجنا إلى الحمام مرة في اليوم يحددونها حسب أمزجتهم، فيسوقون مجموعة من المساجين معصوبي العيون مكبلي الأيدي، فإذا وقف واحدنا عند باب الحمام بعد أن مر على سيل من اللطمات واللكمات واللسعات فكوا يديه المكبلتين من الخلف ونقلوهما لتقيدا معًا من الأمام! فلا يكاد يلج الحمام حتى تهوي الكبلات على الباب وتصله الشتائم والأوامر بالإسراع وبالإنتهاء. وفي كل تقلبات هذه الأحوال نظل مجرد أرقام تنادى، لا شخصية لنا ولا أسماء. ليتكرس إحساسنا بالهوان، ونزداد اضطرابًا وضياعًا.
معجزة!
كانت حفلة التعذيب كما تقرر لي مرتين في اليوم. أخرج إلى غرفة التعذيب مكبلًا مغمض العينين .. أجرد من ملابسي بالكامل وأعلّق مشبوحًا من يدي .. وتكر الأحداث بعد ذلك: تبدأ بالشبح