ودفعوني وأنا لا أزال مطمش العينين مكلبش اليدين إلى مهجع جماعي استطعت أن ألمح فيه العديد من المساجين على مثل حالتي، والسجان يجلد ظهورهم بكبل في يده. ولم تمض علي دقائق حتى جذبتني الأيدي وأصعدتني مع الركلات والصفعات الدَرَجَ ثانية وأوقفتني فجأة ونزعت الغطاء عن عيني، لأجد سالم الحامد واقفًا أمامي وقد طالت لحيته وشعره لا ينبس بشفة. ومن غير مقدمات أتاه السؤال:
أهذا هو؟
قال: نعم.
وفُتح الباب فدلف صالح الخوجة الطبيب الدمشقي الذي كان أحد من أوصلت لهم الرسائل مرة. فسألوه السؤال نفسه، فأجاب بما أجاب سالم، وغاب الرجلان عن عيني بعد ذاك.
في الزنزانة
أسقط في يدي، وأذهلتني المفاجأة بحق، ومن غير أن يمسني أحد هذه المرة اقتادني عنصر إلى القبو كما أحضرني. وفي الزنزانة الموحشة حيث ألقاني هجمت علي التساؤلات والمخاوف والهواجس دفعة واحدة بلا رحمة: أمي وأبي .. أهلي .. ماذا يفعلون الآن؟ كيف تراهم يتعذبون من أجلي؟ يا للمساكين .. سيحاولون البحث عني والتوسط لي بلا شك .. ولن يجدوا إلا الفشل وخيبة الأمل! لقد انتهيت هذه المرة .. والإعتراف الآن علي متحقق ودامغ. وماذا عن أولاء الذين لا يزالون على صلة معي في سورية؟ هل تراهم انكشفوا، أم أنني سأضطر لكشفهم بعد حين؟ وماذا عن التعذيب الذي ينتظرني؟ ماذا عن قصص الرعب التي سمعت الكثير عنها ورأيت ملامح بعضها في الأيام القليلة التي أوقفوني فيها المرة الماضية على الحدود؟ هل انتهى كل شيء حقًا .. هل هي إلا مجرد أيام معدودة ثم تنتزع مني المعلومات وأنال المصير الذي ناله شهداء تدمر قبل أقل من عام!
إلى التحقيق
مضى الوقت علي كالطوفان أغرقني وأرعبني، ولم تلبث الزنزانة أن فتحت من جديد ونادى المنادي:
13 ولا .. هيا.
وساقتني الأيدي القاسية ثانية إلى الأعلى. وعلى باب غرفة التحقيق وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملابسي كلها ويقذف بي من ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين