أيتها النفس المتعلقة بالدنيا، المتعللة بمبررات شرعية في ظاهرها، نفاقية في باطنها: ما الفرق بينكِ وبين الذين تركوا الجهاد أول مرة معتذرين بخوف الفتنة عن الدين كما قال سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (التوبة: 49) .
هذا خاف فتنةَ النساء كما في الآية فأحجم واعتذر عن الجهاد، وذاك خاف فتنةَ المال والدنيا فاعتذر، وثالثٌ خاف فتنة الأسْر فاعتذر، كل واحد اعتذر عن عدم خروجه لخوف الفتنة، وما علم هؤلاء أنَّهم سقطوا في الفتنة، وهي ترك الجهاد، ولذا قال الله تعالى ردًّا مباشرًا وجوابًا ظاهرًا على مقولتهم {ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} ، قال سبحانه بعدها مباشرة: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} .
أيتها النفس: قولي لي- بالله عليك- أيُّ رجل وُفِّق للصبر من غير أن يُصبِّره الله حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألم يقل الله له: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} ؟
أتدرين كم يفيض الله تعالى من السكينة والطمأنينة على ذاك الأسير المُبتلى؟
والله ما رأينا خارجًا من حبسه إلا وجدناه يتذكر أيام اللذة الإيمانية، أيام المدرسة اليوسفية، بلوعة وإعزاز، أيامًا ما وجد لها نظيرًا في حياته! وما وجدنا واحدًا إلا وهو يرجو بها يوم القيامة ما لا يرجوه في حياته كلها.
أتدري ماذا يصنع القرآن هناك بتلك النفوس المحبوسة؟
أتدري أي سكينة يُنزل الله عليها، أي حلاوة تتذوقها، أي ليل تعيشه مع ربها؟